المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسة نساء خالدات على سوريا ستار


صلاح 1985
31-10-2004, 05:30
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى صحبه وآله أجمعين...
أما بعد....
أردت أن اضع هذه السلسلة التعريفية والتي سأتناول فيها نبذة مختصرة عن حياة إمرأة من أشرف نساء الخلق
من الصحابيات وأهل البيت وأزواج وآل الأنبياء رضوان الله عليهم جميعا ..
فأتمنى أن تعم الفائدة للجميع .
.................................................. .................................................. .
حواء

كان الأب الأول للخلق جميعًا يعيش وحده بين أشجار الجنة وظلالها، فأراد الله أن يؤنس وحشته، وألا يتركه وحيدًا، فخلق له من نفسه امرأة، تقر بها عينه، ويفرح بها قلبه، وتسكن إليها نفسه، وتصبح له زوجة يأنس بها، فكانت حواء، هدية الله إلى أبى البشر آدم -عليه السلام- وأسكنهما الله الجنة، وأباحها لهما يتمتعان بكل ما فيها من ثمار، إلا شجرة واحدة أمرهما أن لا يأكلا منها: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ)[البقرة: 35].
وعاشت حواء مع آدم بين أشجار الجنة يأكلان مما فيها من فواكه كثيرة وخيرات متعددة، وظلا على عهدهما مع اللَّه،لم يقربا الشجرة التى حرمها عليهما.
لكن إبليس اللعين لم يهدأ له بال، وكيف يهدأ بالُه وهو الذى توعد آدم وبنيه بالغواية والفتنة؟! وكيف تستريح نفسه وهو يرى آدم وحواء يتمتعان فى الجنة؟! فتربص بهما، وفكر فى طريقة تخرجهما من ذلك النعيم، فأخذ يدبر لهما حيلة؛ ليعصيا اللَّه، ويأكلا من الشجرة؛ فيحلَّ عليهما العقاب.
ووجد إبليس الفرصة ! فقد هداه تفكيره الخبيث لأن يزين لآدم وحواء الأكل من الشجرة التى حرمها الله عليهما، لقد اهتدى لموطن الضعف عند الإنسان، وهو رغبته فى البقاء والخلود: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِى لَهُمَا مَا وُورِى عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ. وَقَاسَمَهُمَا إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ)[الأعراف: 20-21] .
وهكذا زين لهما الشيطان الأكل من الشجرة، وأقسم لهما أنه لهما ناصح أمين، وما إن أكلا من الشجرة حتى بدت لهما عوراتهما، فأسرعا إلى أشجار الجنة يأخذان منها بعض الأوراق ويستتران بها. ثم جاء عتاب اللَّه لهما، وتذكيرهما بالعهد الذى قطعاه معه -سبحانه وتعالي-: (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا
عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِين)[الأعراف : 22].
وعرف آدم وحواء أن الشيطان خدعهما وكذب عليهما... فندما على ما كان منهما فى حق اللَّه سبحانه، ولكن ماذا يصنعان؟ وكيف يصلحان ما أفسد الشيطان؟!! وهنا تنزلت كلمات اللَّه على آدم، ليتوب عليه وعلى زوجه (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه)[البقرة: 37]. وكانت تلك الكلمات هي: (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)[الأعراف: 23].
وبعد ذلك.. أهبطهما ربهما إلى الأرض، وأهبط معهما الشيطان وأعوانه، ومخلوقات أخرى كثيرة: وقلنا اهبطوا بعضكم عدوٌ ولكم فى الأرض مستقر ومتاع إلى حين)[البقرة : 36].
وهكذا بدأت الحياة على الأرض، وبدأت معركة الإنسان مع الشيطان، وقدر اللَّه لآدم وحواء أن يعمرا الأرض، وتنتشر ذريتهما فى أرجاء المعمورة. ثم نزلت لهم الرسالات السماوية التى تدعو إلى التقوى. قال تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا)[النساء:1].
وظلت حواء طائعة لله -تعالى- حتى جاء أجلها.

صلاح 1985
31-10-2004, 05:33
أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها "السيدة الأولى في المجتمع الإسلامي"
هي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى قصي بن كلاب القرشية الأسدية ، ولدت سنة 68 قبل الهجرة (556 م)تربت وترعرعت في بيت مجد ورياسة، نشأت على الصفات والأخلاق الحميدة، عرفت بالعفة والعقل والحزم حتى دعاها قومها في الجاهلية بالطاهرة ، وكانت السيدة خديجة تاجرة، ذات مال، تستأجر الرجال وتدفع المال مضاربة، وقد بلغها عن رسول الله أنه كان صادق أمين، كريم الأخلاق، فبعثت إليه وطلبت منه أن يخرج في تجارة لها إلى الشام مع غلام لها يقال له ميسرة. وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وربحت تجارتها ضعف ما كانت تربح أخبر الغلام ميسرة السيدة خديجة عن أخلاق رسول الله ، فدست له من عرض عليه الزواج منها، فقبل الرسول صلى الله عليه وسلم ، فأرسلت السيدة خديجة إلى عمها عمرو بن أسعد بن عبد العزى، فحضر وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان لها من العمر أربعين سنة ولرسول الله خمس وعشرون سنة.

السيدة خديجة - رضي الله عنها - كانت أول امرأة تزوجها الرسول ، صلى الله عليه وسلم، وكانت أحب زوجاته إليه، ومن كرامتها أنها لم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت ،أنجبت له ولدين وأربع بنات وهم: القاسم (وكان يكنى به)، وعبد الله ، ورقية وزينب وأم كلثوم وفاطمة

إسلامها:

عندما بعث الله – سبحانه وتعالى – النبي كانت السيدة خديجة – رضي الله عنها- هي أول من آمن بالله ورسوله، وأول من أسلم من النساء والرجال، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم والسيدة خديجة يصليان سراً إلى أن ظهرت الدعوة. تلقى رسو الله كثيراً من التعذيب والتكذيب من قومه، فكانت السيدة خديجة تخفف عنه وتهون عليه ما يلقى من أكاذيب المشركين من قريش. وعندما انزل الله – سبحانه وتعالى – الوحي على الرسول - صلى الله عليه وسلم -قال له ( اقرأ بسم ربك الذي خلق ) فرجع مسرعاً إلى السيدة خديجة وقد كان ترجف بوادره، فقال : " زملوني " ، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال : " مالي يا خديجة؟ " وأخبرها الخبر وقال: " قد خشيت على نفسي " ، فقالت له : كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق. وانطلقت به إلى ابن خمها ورقة بن نوفل بن أسد، وهو تنصر في الجاهلية، وكان يفك الخط العربي، وكتب بالعربية بالإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا قد عمى، فقالت : امع من ابن أخيك ما يقول، فقال: يا ابن أخي ما ترى؟، فأخبره، فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى
منزلتها عند رسول الله :

كانت السيدة خديجة امرأة عاقلة، جليلة، دينة، مصونة، كريمة، من أهل الجنة، فقد أمر الله – تعالى – رسوله أن يبشرها في الجنة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب

كان رسول الله e يفضلها على سائر زوجاته، وكان يكثر من ذكرها بحيث أن عائشة كانت تقول : ما غرت على أحد من نساء النبي e ما غرت على خديجة وما رأيتها، ولكن كان النبي يكثر من ذكرها وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة فربما قلت له كأنه لم يكن في الدنيا إلا خديجة، فيقول إنها كانت وكان لي منها ولد.

وقالت عائشة رضي الله عنها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها، فذكر خديجة يوما من الأيام فأدركتني الغيرة فقلت هل كانت إلا عجوزاً فأبدلك الله خيراً منها، فغضب حتى اهتز مقدم شعره من الغضب ثم قال: لا والله ما أبدلني الله خيراً منها، آمن بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، ورزقني الله منها أولاداً إذ حرمني النساء، قالت عائشة: فقلت في نفسي لا أذكرها بسيئة أبدا ً

وفاتها:

توفيت السيدة خديجة ساعد رسول الله الأيمن في بث دعوة الإسلام قبل هجرته إلى المدينة المنورة بثلاثة سنوات، ولها من العمر خمس وستون سنة، وأنزلها رسول الله بنفسه في حفرتها وأدخلها القبر بيده، وكانت وفاتها مصيبة كبيرة بالنسبة للرسول - صلى الله عليه وسلم- تحملها بصبر وجأش راضياً بحكم الله – سبحانه وتعالى.

صلاح 1985
31-10-2004, 05:34
أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهماهي حفصة بنت عمر أمير المؤمنين (عمر بن الخطاب) ر ضي الله عنهما ، ولدت قبل المبعث بخمسة الأعوام. لقد كانت حفصة زوجة صالحة للصحابي الجليل (خنيس بن حذافة السهمي) الذي كان من أصحاب الهجرتين، هاجر إلى الحبشة مع المهاجرين الأولين إليها فرارا بدينه ، ثم إلى المدينة نصرة لنبيه صلى الله عليه و سلم، و قد شهد بدرا أولا ثم شهد أحدا، فأصابته جراحه توفي على أثرها ، و ترك من ورائه زوجته ( حفصة بنت عمر ) شابة في ريعان العمر ، فترملت ولها عشرون سنة.
زواج حفصة من الرسول
تألم عمر بن الخطاب لابنته الشابة ، وأوجعه أن يرى ملامح الترمل تغتال شبابها وأصبح يشعر بانقباض في نفسه كلما رأى ابنته الشابة تعاني من عزلة الترمل، وهي التي كانت في حياة زوجها تنعم بالسعادة الزوجية، فأخذ يفكر بعد انقضاء عد تها في أمرها ، من سيكون زوجا لابنته؟
ومرت الأيام متتابعة ..وما من خاطب لها ، وهو غير عالم بأن النبي صلى الله عليه و سلم قد أخذت من اهتمامه فأسر إلى أبي بكر الصديق أنه يريد خطبتها. ولما تطاولت الأيام عليه وابنته الشابة الأيم يؤلمها الترمل، عرضها على أبي بكر ، فلم يجبه بشيء ، ثم عرضها على عثمان ، فقال : بدا لي اليوم ألا أتزوج . فوجد عليهما وانكسر، وشكا حاله إلى النبي صلى الله عليه و سلم ، فقال : يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، يتزوج عثمان من هو خير من حفصة..؟!

وعمر لا يدري معنى قول النبي .. لما به من هموم لابنته ، ثم خطبها النبي ، فزوجه عمر رضي الله عنه ابنته حفصة ، وينال شرف مصاهرة النبي ، ويرى نفسه أنه قارب المنزلة التي بلغها أبو بكر من مصاهرته من ابنته عائشة ، وهذا هو المقصود والله أعلم من تفكير النبي بخطبة لحفصة بنت عمر رضي الله عنها ؟!


وزوج رسول الله عثمان بابنته أم كلثوم بعد وفاة أختها رقية، ولما أن تزوج رسول الله حفصة ..لقي عمر بن الخطاب أبا بكر.. فاعتذر أبو بكر إليه، وقال : لا تجد علي ، فإن ر سول الله،كان ذكر حفصة، فلم أكن لأفشي سره ، ولو تركها لتزوجتها؟!

وبذلك تحققت فرحة عمر وابنته حفصة .. وبارك الصحابة يد رسول وهي تمتد لتكرم عمر بن الخطاب بشرف المصاهرة منه عليه الصلاة والسلام ، وتمسح عن حفصة آلام الترمل والفرقة.وكان زواجه بحفصة سنة ثلاث من الهجرة على صداق قدره 400 درهم، وسنها يوميئذ عشرون عاما.


حفصة في بيت النبوة :

وقد حظيت حفصة بنت عمر الخطاب –رضي الله عنها - بالشرف الرفيع الذي حظيت به سابقتها عائشة بنت أبي بكر الصديق !!.وتبوأت المنزلة الكريمة من بين (أمهات المؤمنين ) رضي الله عنهنَّ !!..

وتدخل (حفصة ) بيت النبي ... ثالثة الزوجات في بيوتاته عليه الصلاة والسلام .. فقد جاءت بعد( سوده ) ..و( عائشة) ..

أما سوده فرحبت بها راضية .. وأما عائشة فحارت ماذا تصنع مع هذه الزوجة الشابة.. وهي من هي! بنت الفاروق (عمر ) .. الذي أعز الله به الإسلام قديما .. وملئت قلوب المشركين منه ذعرا!!..

وسكتت عائشة أمام هذا الزواج المفاجئ وهي التي كانت تضيق بيوم ضرتها (سوده) التي ما اكترثت لها كثيرا …فكيف يكون الحال معها حين تقتطع (حفصة) من أيامها مع الرسول ثلثها؟!.

وتتضاءل غيرة عائشة من حفصة لما رأت توافد زوجات أخريات على بيوتات النبي…" زينب …وأم سلمة…وزينب الأخرى ..وجويرية… وصفية .." إنه لم يسعها إلا أن تصافيها الود…وتسر حفصة لود ضرتها عائشة …وينعمها ذلك الصفاء النادر بين الضرائر؟.!..


صفات حفصة –رضي الله عنها

(حفصة) أم المؤمنين …الصوامة .. القوامة… شهادة صادقة من أمين الوحي (جبريل عليه السلام) !! … وبشارة محققه : إنها زوجتك – يا رسول الله- في الجنة!!… وقد وعت حفصة مواعظ الله حق الوعي .. وتأدبت بآداب كتابه الكريم حق التأدب... وقد عكفت على المصحف تلاوة و تدبرا و تفهما و تأملا ..مما أثار انتباه أبيها الفاروق (عمر بن الخطاب) إلى عظيم اهتمامها بكتاب الله تبارك و تعالى !! مما جعله يوصي بالمصحف الشريف الذي كتب في عهد أبي بكر الصديق بعد وفاة النبي صلى الله عليه و سلم .. و كتابه كانت على العرضة الأخيرة التي عارضها له جبريل مرتين في شهر رمضان من عام وفاته صلى الله عليه و سلم………..إلى ابنته (حفصة) أم المؤمنين!!..

حفظ نسخة القرآن المكتوب عند حفصة : الوديعة الغالية

روى أبو نعيم عن ابن شهاب عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال : " لما أمرني أبوبكر فجمعت القرآن كتبته في قطع الأدم وكسر الأكتاف والعسب، فلما هلك أبو بكر رضي الله عنه- أي : توفي – كان عمر كتب ذلك في صحيفة واحدة فكانت عنده- أي: على رق من نوع واحد – فلما هلك عمر رضي الله عنه كانت الصحيفة عند حفصة زوجة النبي، ثم أرسل عثمان رضي الله عنه إلى حفصة رضي الله عنها ، فسألها أن تعطيه الصحيفة ؛ و حلف ليردنها إليها، فأعطته ، فعرض المصحف عليها ، فردها إليها ، وطابت نفسه ، و أمر الناس فكتبوا المصاحف …!


و قد امتاز هذا المصحف الشريف بخصائص الجمع الثاني للقرآن الكريم الذي تم إنجازه في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، بمشورة من عمر بن الخطاب ، و ذلك بعد ما استحر القتل في القراء في محاربة ( مسيلمة الكذاب ) حيث قتل في معركة اليمامة ( سبعون ) من القراء الحفظة للقرآن باسره .. وخصائص جمع هذا المصحف نجملها فيما يلي :

أولا : أن كل من كان قد تلقى عن رسول الله شيئا من القرآن أتى وأدلى به إلى زيد بن ثابت .

ثانيا : أن كل من كتب شيئا في حضرة النبي صلى الله عليه و سلم من القرآن الكريم أتى به إلى زيد .

ثالثا : أن زيدا كان لا يأخذ إلا من أصل قد كتب بين يدي النبي صلى الله عليه و سلم.

رابعا : أن الجمع بعد المقارنة بين المحفوظ في الصدور ، و المرسوم في السطور ، و المقابلة بينهما ، لا بمجرد الاعتماد على أحدهما.

خامسا : أن زيدا كان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد معه شاهدان على سماعه و تلقيه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم مباشرة بلا واسطة ؛ فيكون بذلك هذا الجمع قد تم فيه التدوين الجماعي ، و الثلاثة أقل الجمع.

سادسا : أن ترتيب هذا المصحف الشريف – الأول من نوعه – و ضبطه كان على حسب العرضة الأخيرة على رسول الله قبل التحاقه بالرفيق الأعلى.



وقد شارك زيد في هذه المهمة العظيمة ( عمر بن الخطاب ) فعن عروة بن الزبير أن أبا بكر قال لعمر و زيد : " اقعدا على باب المسجد ، فمن جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه " !!.. قال الحافظ السخاوي في (جمال القراء): " المراد انهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي النبي صلى الله عليه و سلم ، أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن ".

ولما أجمع الصحابة على أمر أمير المؤمنين عثمان بن عفان في جمع الناس على مصحف إمام يستنسخون منه مصاحفهم .." أرسل أمير المؤمنين عثمان إلى أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف " ..


تلك هي الوديعة الغالية !!.. التي أودعها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عند ابنته حفصة أم المؤمنين.. فحفظتها بكل أمانة .. ورعتها بكل صون ...فحفظ لها الصحابة … والتابعون …. وتابعوهم من المؤمنين إلى يومنا هذا … وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .. ذلك الذكر الجميل الذي تذكر فيه كلما تذاكر المسلمون جمع المصحف الشريف في مرحلتيه … في عهد الصديق أبي بكر … وعهد ذي النورين عثمان… وبعد مقتل عثمان…إلى آخر أيام علي….بقيت حفصة عاكفة على العبادة صوامة قوامة … إلى أن توفيت في أول عهد معاوية بن أبي سفيان …وشيعها أهل المدينة إلى مثواها الأخير في البقيع مع أمهات المؤمنين رضي الله عنهن
.

صلاح 1985
31-10-2004, 05:39
أم كلثوم
أم كلثوم حفيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. أبوها علي بن أبي طالب وأمها سيدة نساء العالمين فاطمة بنت محمد وأشقاؤها هم الحسن والحسين وزينب، عندما كانت في الخامسة من عمرها رأت جدها الحبيب محمداً صلى الله عليه وسلم إلا أنه توفي وهي في هذه السن ولحقت به أمها فاطمة الزهراء.
تزوجت- رضي الله عنها- من سيدنا عمر بن الخطاب، ورغم أن ذلك تم وهي في سن صغيرة إلا أنها المرأة الذكية، جليلة القدر، واسعة الإدراك فاستطاعت أن تعيش معه حياة زوجية ترفرف عليها السعادة رغم ما عرف عن عمر – رضي الله عنه – من خشونة العيش مما لا تحبه النساء عادة إلا أن ما كان عليه عمر من رقة قلب وغنى النفس مما جعله الزوج الحبيب إلى نفسها، وكان "زيد" و "رقية" هما ثمرة الزواج المبارك.
كانت أم كلثوم مثل أمها وجدتها في الفضل والجود وإحياء المكارم، فحفيدة النبي صلى الله عليه وسلم وابنة الخليفة وزوج الخليفة أيضاً لم يمنعها عزها وشرف مكانتها أن تكون " قابلة" لتلك المرأة البدوية التي جاءها المخاض في ليلة من ليالي المدينة التي كان عمر فيها يتحسس أمر رعيته ولم يكن معها أحد يساعدها.. فبينما كانت أم كلثوم نائمة أيقظها " عمر " رضي الله عنه لنجدة المرأة، فقامت ولبت النداء وأكرمت المرأة وآنستها واستقبلت وليدها على يديها.
وعندما قضى الفاروق نحبه حزنت الزوجة الوفية أم كلثوم، حزناً شديداً، وظلت ذكرياته وشمائله الحسان في مخيلتها ولم يكن هناك شيء يخفف من لوعتها سوى رؤيتها لابنها " زيد " الذي ورث عن عمر أبيه الشجاعة وعن أمه الفصاحة والجرأة.
لما قتل أبوها " علي بن أبي طالب " في سنة أربعين من الهجرة، كان المصاب أليماً على المسلمين عامة وعلى أم كلثوم خاصة فقد فقدت أبوها وزوجها في صلاة الفجر، فلما قتل أبوها جعلت تقول: مالي ولصلاة الصبح.. قتل زوجي عمر صلاة الغداة وقتل أبي صلاة الغداة!!
وككل الأحياء توفيت أم كلثوم – رضي الله عنها – وكان ذلك في عهد معاوية رضي الله عنه، ولقد شاءت الأقدار أن يصلها خبر وفاة ابنها " زيد " بسبب فتنة وقعت في قومه أدت إلى مصرعه فقبضت روح أم كلثوم لشدة حزنها عليه فشيعت هي وابنها إلى البقيع، وفي ذلك تروي السير أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال لأخيها الحسن: تقدم فصل على أختك وابن أختك فقال له الحسن : بل تقدم أنت فصل على أمك وأخيك، فتقدم عبدالله بن عمر رضي الله عنهما وجعل زيداً ما يليه ثم جعل أم كلثوم وراءه ثم صلى عليهما وكبرا أربعاً وخلفه الحسن والحسين.
وقبل أن ننسى فأم كلثوم الحفيدة التي طوى التاريخ حياتها ونشر عبير فضائلها، هي المرأة التي كان لها فضيلة لم تجتمع لواحدة من نساء أهل البيت الطاهر، فهي المرأة القريشية التي شهد جدها وأبوها وزوجها غزوة بدر " رضي الله عنها ".

صلاح 1985
31-10-2004, 05:40
مريم بنت عمران
إذ قالت امرأة عمران رب إنى نذرت لك ما في بطنى محرراً فتقبل منى إنك أنت السميع العليم فلما وضعتها قالت رب إنى وضعتها أنثى وليس الذكر كالانثى وإنى سميتها مريم، وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم» أناس من الناس لهم أثره عند الله، ومقام محمود بين خلق الله، فهم في نشأتهم محوطون بالرعاية وفي حياتهم مشمولون بالعناية والهداية ولم تكن حياتهم لأنفسهم بل كانوا مثلاً يهتدى بهديهم ويسار على نهجهم ثم غدت ذكراهم من بعد .
كالمصابيح تضيء للإنسانية معابر الحياة إذا التوت عليها الطرقات وتبصرها مسالك الرشاد إذا خيمت على الدنيا ضلالة أو رانت على البصائر ظلمة الشهوات.
فهم في الحياة وبعد الممات كالمعالم الوضاءة في مراحل الزمن وأولئك هم الهداة المهتدون وهم السابقون وإنما أضفي عليهم ربك من فيضه وآثرهم بالمزيد من حبه لسبق علمه بأنهم الأصفياء والأبرار وهم الأوفياء والأنصار فهم دائماً في جنب الله يحمدونه على النعماء في السراء ويصبرون على بلائه في الضراء.
فلا تستكثر عليهم ذلك ولا تقل : لم لم يكن كل الناس كذلك؟ فربك عليم بخلقه وحكيم في أمره يخلق ما يشاء ويختار وليس لك إلا أن تؤمن طائعاً بالحق وأن تسلك سبيل الحق ولعلك بهديهم واصل إلى منازلهم أو مقترب: ورحمة الله قريب من المحسنين.
وهذه مريم ابنة عمران دوحة كريمة في منبت كريم وفرع شامخ من اصل راسخ.
ذكرها نبينا محمد - صلوات الله عليه - أول نسوة أربع أحرزن من المجد ما لم يتح لغيرهن فقال: «أربع نسوة سادت عالمهن : مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، زوجة فرعون المؤمنة التى شهد لها القرآن. وخديجة بنت خويلد. وفاطمة بنت محمد».وأن القرآن ليرفع من قدرها ويضاعف من شأنها ويردد من ذكرها حتى ليجعلها فوق ما يتصور المتصورون.
فأيه يا امرأة عمران.. لقد تقدم بك السن، وكاد يتخلف عنك الحظ في الذرية ولكنك ذات صلة بربك فاسأليه أن يمنحك ذرية تطيب نفسك لها وتقرين عينا بها ولكن امرأة عمران تبتغى الذرية لتتخذ منها زلفى إلى ربها فتسأله ما يشوقها ثم يكون من امارات القرب إلى الله أن يتقبل دعاءها وإنما يتقبل الله من المتقين.
ولما أحست بالجنين توقعته غلاماً وتعلق أملها أن تهبه للعبادة وتحرره من قيود البنوة، وتتخلى عن أنسها به ليتفرغ للعبادة وملازمة المعبود على عادة البررة من أهل زمانها وقد استجاب الله لها فحملت بعدما كادت تيأس فإن الأمل ليقوى أن يكون الحمل غلاماً ليتم لها تحريره وهى لذلك تبادر بالعهد على نفسها وتقول: «رب انى نذرت لك ما في بطنى محرراً فتقبل منى إنك أنت السميع العليم».
ولكن امرأة عمران تفاجأ بغير ما تمنت أنثى لا ذكراً ويخالجها أسف كثير لفوات الأمل في المولود فإن الأنثى لا تبلغ من الصلاحية للتحرير ما يبلغه الذكر ولم يكن من عادتهم تحرير البنات للعبادة والمعابد.
ولأن عدم تحقيق الأمنية قد يثير عندها من وجل الأتقياء ما يشككها في منزلتها عند الله بعد أن قوى الرجاء في ذلك منذ حملت بعد يأس فهى تضرع إلى ربها في لهجة الأوابين وخشوع المتذللين وتجأر بالمعذرة عن فوات مقصودها وإن لم يكن ذلك من عملها وتقول «رب انى وضعتها أنثى» وتقول:«وليس الذكر كالأنثى» أى ليسا سواء في المنزلة وتعلق الرجاء بهما ثم تركن إلى ربها فيما بقى لها من أمل فتقول :«وانى سميتها مريم ـ عابدة ـ وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم».
هذه نجوى امرأة عمران إلى ربها ومبلغ الأمل في وليدتها أن يحفظها من غمزات الشيطان وهمزاته لتكون مؤمنة تقية وعابدة وفية وطاهرة نقية ويكون فيها عوض لها عن الغلام الذى كانت تأمله.
وكأن امرأة عمران حينما آسفها وضع الأنثى فاتها أن الله سبحانه يستجيب دعاء الأتقياء على مقتضى علمه وحكمته وليس حتماً أن يكون على وفق رغباتهم ولا مسايراً لألفاظهم فهو لا يبخل عليهم بفضله ولكنه يعطيهم من جوده ما فيه خير لهم ولو كان غير مأربهم وربما كان أزكى مما تعلقوا به وذلك الفضل من الله فهى تصبو إلى الولد الذكر والله يعطيها الأنثى.
وهى تقنع نفسها بعطائه وترجع إلى الرضا بقضائه وتستعيذ بالله لأنثاها ولذريتها من الشيطان الرجيم.. فماذا كان من أثر الدعوات لها وماذا كان من شأن مريم وقد استقبلتها أمها كما تستقبل كل امرأة بنتها؟
«فتقبلها ربها بقبول حسن، وأنبتها نباتاً حسناً، وكفلها زكريا» حسبك يا امرأة عمران أنك أخلصت لله النية فيما نذرت وأنك اتجهت إلى الله فيما دعوت فإن للمخلصين رجاء موصولاً ودعاء مقبولاً وقد فاض قلبك بالرجاء ولهج لسانك بالدعاء حينما أودعت مريم بيت المقدس واثقة أن الله سيعيذها وذريتها من الشيطان الرجيم.
أما مريم فقد انبثق حولها نور جديد وظهر من مكنون الغيب ما سبقت به كل امرأة قبلها وبعد ذلك أن الملائكة نزلت عليها بوحى من عند الله ولم يعهد الناس أن الملائكة تنزل على غير الأنبياء من الرجال ''واذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين. يا مريم اقنتى لربك واسجدى واركعى مع الراكعين».
فهذا وحى سماوى يؤكد لمريم وللناس في شأنها ما رأوا بعضه رأى العين وعرفوه حق اليقين فاصطفاء وتطهير، واصطفاء آخر وتكليف بالقنوت - وهو مداومة العبادة - وبالركوع والسجود وهو المحافظة على الصلاة تلك توجيهات يؤثر الله بها مريم وفي جملتها وتفصيلها ايذان بأن مريم وقد اصطفاها ربها للعبادة وطهرها من المآثم والنقائص واصطفاها لأمر آخر ستتمخض عنه الأيام لابد أن تكون إنسانة كاملة كمالاً يربأ بها عن الدنو من الشبهات أو يتسامى بها أن تكون حصاة لألسن السفهاء.
فإن تكن مريم في حساب الناس فتاة من الفتيات فهى في إطار عجيب من الخصائص الربانية التى اكتنفتها منذ اشراقتها الأولى إلى أن طوت صفحتها الكريمه في الدنيا على شيء من القصص الحق. وهذه منزلة رضيها لها من اصطفاها على نساء العالمين.

صلاح 1985
31-10-2004, 05:42
أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقينلا ينسى التاريخ دورها في هجرة النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ وصاحبه من مكة إلى المدينة فرارا من إضطهاد وإيذاء قريش وتنفيذا لأوامر الله بالهجرة، وبمجرد خروج رسول الله وأبي بكر من دار أبي بكر مهاجرين أخذت أسماء وعائشة وعبد الله يرقبونهما حتى غابا عن عيونهم.
علم كبار قريش أن النبي وابا بكر قد خرجا من مكة في اليوم الذي عزموا فيه على قتل رسول الله فغضبوا غضبا شديدا وراحوا يبحثون عنه في كل مكان، وأتى نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام ووقفوا على باب أبي بكر فخرجت إليهم أسماء وقالت: ما تريدون ؟ فسألوها: أين أبوك يا ابنة أبي بكر ؟ فقالت: لا أدري والله أين أبي فظهر الحنق في وجه أبي جهل ورفع يده ولطم خدها لطمة طرحت منها قرطاها..
وقد أظهرت الهجرة مدى صبر وجلد وشجاعه أسماء وإصرارها على مناصرة رسول الله حتى تنجح تلك الرحلة المباركة وعندما جاء أبو قحافة ـ بعد أن علم بخروج ابنة أبي بكر مع رسول الله وكان قد ذهب بصره ـ فأجلسته أسماء على سرير أبيها ثم قال موجها كلامه إلى أسماء وعائشة ـ رضي الله عنهما ـ: والله إني لأراه قد فجعكم بماله في نفسه.
فقالت أسماء: كلا يا أبت أنه قد ترك لنا خيرا كثيرا وأخذت أحجارا فوضعتها في الكوة التي كان أبوها يضع ماله فيها ثم وضعت عليها ثوبا ثم أخذت بيد جدها وقالت: يا أبت ضع يدك على هذا المال فوضع يده على الحجارة ثم قال: لا بأس إذ كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن وفي هذا بلاغ لكم وانصرف أبو قحافة وهو يحسب أن ابنه قد ترك لأبنائه خيرا كثيرا.
كانت أسماء ـ رضي الله عنها ـ تأتي إلى رسول الله وأبيها بالطعام وهما في الغار لمدة ثلاثة أيام، وفي اليوم الثالث جاءت بالطعام فوجدت دليلهما عبد الله بن أريقط ـ وكان مشركا ـ ينتظرهما خارج الغار فأسرعت لتعلق الطعام بالبعير ولكنها لم تجد شيئا تربطه به فشقت نطاقها وربطت الطعام ثم انطلق ركب رسول الله إلى يثرب وأسماء واقفة عند الغار تتطلع إليهم وقد أطلق عليها منذ ذلك اليوم ذات النطاقين.
كانت أسماء بنت أبي بكر قد تزوجت من الزبير ابن العوام وعندما ضاق ذرعا بإضطهاد قريش هاجر ـ رضي الله عنه ـ إلى الحبشة وبقيت أسماء في مكة ثم عاد وبقى معها مدة ثم هاجر مع من هاجر إلى يثرب.
وما أن استقرت الاوضاع للمسلمين في المدينة حتى أرسل أبو بكر إلى ابنه عبد الله في مكه يخبره بمكانه ويطلب منه القدوم فجاء مع أسماء وعائشة وأم رومان، وفي المدينة رزق الله الزبير بن العوام وأسماء مولودا هو أول مولود للمسلمين في دار الهجرة، وقد فرح به المسلمون فرحا شديدا وأقبلت أسماء تحمل وليدها حتى إذا أتت رسول الله وضعته في حجره فبش النبي له ثم دعا بتمرة فمضغها ثم حنكه بها ثم دعا له بالبركة وسماه عبد الله.
كان الزبير بن العوام في المدينة فقيرا لا مال له ولا أرض غير حجله الذي يستقى عليه وفرسه فكانت زوجته أسماء تقوم بعلف فرسه وتملأ الماء وتعجن وتخبز وكانت إذا إنتهت من أعمال البيت انطلقت إلى أرض الزبير التي اقطعه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهي على مسافة ثلثي فرسخ من الدار فتعمل فيها حتى مغيب الشمس، كان الزبير شديد الغيره على زوجته حتى من رسول الله نفسه فقد كانت أسماء تحمل النوى من أرض زوجها على رأسها .
وفي الطريق قابلت النبي ومعه نفر من الانصار ورأى النبي حملها فأراد أن يحملها على راحلته خلفه وأناخ بعيره لكن أسماء لم تتقدم فقد تذكرت شدة غيرة الزبير فعرف رسول الله أنها قد إستحيت أن تسير مع الرجال فمضى ولم يلتفت خلفه ومضت أسماء حتى بلغت الرجال الدار ولما أقبل الزبير قالت له: لقيني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم. وعلى رأسي النوى ومعه نفر أصحابه فأناخ لأركب فإستحييت منه وعرفت غيرتك، فقال الزبير: والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه.
ولما بلغ أبا بكر ما تقاسيه أبنته من مشاق وما تقوم به من أعمال بعث إليها بخادم ففرحت أسماء بذلك فرحا شديدا.
خرجت أسماء بنت أبي بكر مع زوجها الزبير وابنها عبد الله لقتال الروم في الشام وكان عبد الله صغيرا لم يتجاوز العاشرة من عمره لكن الزبير حمله معه على فرسه يوم اليرموك حتى يألف الطعن والنزال. ووقفت أسماء خلف صفوف الرجال وفي يدها سيف ومعها بعض النساء اتجه إليهن خالد بن الوليد وقال لهن: من رأيتموه موليا فاقتلنه، فلما شد الروم على المسلمين هم بعضهم بالفرار فأخذت النساء يضربن من إنهزم بالخشب والحجارة وصاحت أسماء فيهن: أين تذهبون وتدعوننا للعلوج. ثم ألقت بنفسها في القتال تضرب بسيفها رقاب الروم الذين قيدهم قائدهم بالسلاسل حتى لا يفروا من أرض المعركة، وقد علمت أسماء بموت أبيها أبي بكر خليفة المسلمين خلال تلك المعركة.
بعد وفاة الصديق ظلت أسماء في كنف زوجها الزبير وأنجبت عروة بعد عبد الله وتفرغت لتربية أبنائها حتى قتل الزبير بن العوام في قتال علي بن أبي طالب يوم الجمل.وعندما خرج ابن الزبير على الامويين ورفض استئثارهم بالخلافة دون المسلمين وأعلن نفسه أميراً للمؤمنين فرحت أسماء بمبايعة الناس لابنها فقد نال خيرا وصار للناس أميرا.
وعندما نجح الأمويون في هزيمة مصعب بن الزبير عامل عبد الله بن الزبير على العراق تقدموا وحاصروا الحجاز وراحوا يضربون المسجد الحرام بالمتجنين جاء عروة ابن الزبير يطلب من أخيه أن يحقن دماء المسلمين وأن يتنازل لعبد الملك عن الخلافة أسوة بالحسن بن علي الذي تنازل عنها لمعاوية وحقن دماء المسلمين وأخذ أتباع عبد الله بن الزبير ينفضون من حوله وينضمون إلى جيش عدوه الحجاج بن يوسف الثقفي.حزن ابن الزبير ودخل على أمه أسماء فسألته: ياعبد الله ما فعلت في حربك ؟
قال: خذلني الناس حتى ولدي وأهلي فلم يبق علي إلا اليسير والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا فما رأيك ؟
قالت: أنت والله يا بني أعلم بنفسك إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامض له فقد قتل عليه أصحابك وأن كنت أردت الدنيا فبئس العبد أنت أهلكت نفسك وأهلكت من من قتل معك وأن قلت كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت فهذا ليس فعل الإحرار ولا أهل الدين.
قال عبد الله: يا أماه أخاف أن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ويصلبوني.
قالت: يا بني ما يضر الشاه سلخها بعد ذبحها فامض على بصيرتك واستعن بالله

صلاح 1985
31-10-2004, 05:47
ميمونة بنت الحارث الهلاليةكانت تدعى هند بنت عوف بن زهير بن الحرث، وأخواتها: أم الفضل (لبابة الكبرى) زوج العباس رضي الله عنهما، و لبابة الصغرى زوج الوليد بن المغيرة المخزومي وأم خالد بن الوليد، وعصماء بني الحارث زوج أُبي بن الخلف، وغرة بنت الحرث زوج زياد بن عبدالله بن مالك الهلالي .. وهؤلاء هن أخواتها من أمها وأبيها. أما أخواتها لأمها فهن: أسماء بنت عميس زوج جعفر رضي الله عنه، ثم مات فخلف عليها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ثم مات فخلف عليها علي كرم الله وجه. وسلمى بنت عميس زوج حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه، ثم ملت فخلف عليها شداد بن أسامة بن الهاد. وسلامة بنت عميس زوج عبدالله بن كعب بن عنبة الخثعمي.

ولهذا عُرفت أمها هند بنت عوف بأكرم عجوز في الأرض أصهاراً، فأصهارها: أشرف الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحبه الصديق، وعميه حمزة والعباس ابنا عبدالمطلب، وجعفر وعلي أبناء عمه أبي طالب، وشداد بن الهاد رضي الله عنهم أجمعين. وتلك فضائل حسان، فهل فوق ذلك من أسمى وأفخر من هذا النسب الأصيل والمقام الرفيع...؟؟!!



أزواجها قبل الرسول صلى الله عليه وسلم:

كان زواجها رضي الله عنها أولاً بمسعود بن عمرو الثقفي قبيل الإسلام، ففارقها وتزوجها أبو رهم بن عبدالعزى. فتوفي عنها وهي في ريعان الشباب. ثم ملأ نور الإيمان قلبها، وأضاء جوانب نفسها حتى شهد الله تعالى لها بالإيمان، وكيف لا وهي كانت من السابقين في سجل الإيمان. فحظيت بشرف الزواج من رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت فراغه من عمرة القضاء سنة 7 للهجرة.

همس القلوب وحديث النفس:

وفي السنة السابعة للهجرة النبوية، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة معتمرين، وطاف الحبيب المصطفى بالبيت العتيق بيت الله الحرام. وكانت ميمونة بمكة أيضاً ورأت رسول الله وهو يعتمر فملأت ناظريها به حتى استحوذت عليها فكرة أن تنال شرف الزواج من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن تصبح أماً للمؤمنين، وما الذي يمنعها من تحقيق حلم لطالما راودتها في اليقظة والمنام وهي التي كانت من السابقين في سجل الإيمان وقائمة المؤمنين؟ وفي تلك اللحظات التي خالجت نفسها همسات قلبها المفعم بالإيمان، أفضت ميمونة بأمنيتها إلى أختها أم الفضل، وحدثتها عن حبها وأمنيتها في أن تكون زوجاً للرسول الله صلى الله عليه وسلم وأماً للمؤمنين، وأما أم الفضل فلم تكتم الأمر عن زوجها العباس فأفضت إليه بأمنية أختها ميمونة، ويبدو أن العباس أيضاً لم يكتم الأمر عن ابن أخيه فأفضى إليه بأمنية ميمونة بنت الحارث.[5] فبعث رسول الله ابن عمه جعفر بن أبي طالب ليخطبها له، وما أن خرج جعفر رضي الله عنه من عندها، حتى ركبت بعيرها وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أن وقعت عيناها عليه صلى الله عليه وسلم حتى قالت: "البعير وما عليه لله ورسوله".


ميمــونة في القرآن الكريـم:

وهكذا وهبت ميمونة نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وفيها نزل قوله تعالى: (( وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين)).

لقد جعلت ميمونة أمرها إلى العباس بن عبد المطلب فزوجها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل أيضاً أن العباس قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن ميمونة بنت الحارث قد تأيمت من أبي رهم بن عبدالعزى،هل لك أن تتزوجها؟" ، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ميمونة والزواج الميمون:

أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة ثلاثة أيام، فلما أصبح اليوم الرابع، أتى إليه صلى الله عليه وسلم نفر من كفار قريش ومعهم حويطب بن عبدالعزى - الذي أسلم فيما بعد- فأمروا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يخرج بعد أن انقضى الأجل وأتم عمرة القضاء والتي كانت عن عمرة الحديبية. فقال صلى الله عليه وسلم: "وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم، فصنعت لكم طعاماً فحضرتموه". فقالوا: "لا حاجة لنا بطعامك، فأخرج عنا".فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف مولاه أن يحمل ميمونة إليه حين يمسي.
فلحقت به ميمونة إلى سَرِف، وفي ذلك الموضع بنى الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه البقعة المباركة، ويومئذ سماها الرسول صلى الله عليه وسلم ميمونة بعد أن كان اسمها برة. فعقد عليها بسرف بعد تحلله من عمرته لما روي عنها: "تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلالان بسرف"



ميمونة والرحلة المباركة إلى المدينة المنورة:

ودخلت ميمونة رضي الله عنها البيت النبوي وهي لم تتجاوز بعد السادسة والعشرين. وإنه لشرف لا يضاهيه شرف لميمونة، فقد أحست بالغبطة تغمرها والفرحة تعمها، عندما أضحت في عداد أمهات المؤمنين الطاهرات رضي الله عنهن جميعاً. وعند وصولها إلى المدينة استقبلتها نسوة دار الهجرة بالترحيب والتهاني والتبريكات، وأكرمنها خير إكرام، إكراماً للرسول صلى الله عليه وسلم وطلباً لمرضاة الله عز وجل.

ودخلت أم المؤمنين الحجرة التي أعد لها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لتكون بيتاً لها أسوة بباقي أمها المؤمنين ونساء رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا بقيت ميمونة تحظى بالقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتفقه بكتاب الله وتستمع الأحاديث النبوية من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وتهتدي بما يقوله، فكانت تكثر من الصلاة في المسجد النبوي لأنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلى المسجد الحرام".

وظلت ميمونة في البيت النبوي وظلت مكانتها رفيعة عند رسول الله حتى إذا اشتد به المرض عليه الصلاة والسلام نزل في بيتها.. ثم استأذنتها عائشة بإذن النبي صلى الله عليه وسلم لينتقل إلى بيتها ليمرض حيث أحب في بيت عائشة.



حفظها للأحاديث النبوية:

وبعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، عاشت ميمونة رضي الله عنها حياتها بعد النبي صلى الله عليه وسلم في نشر سنة النبي صلى الله عليه وسلم بين الصحابة والتابعين؛ لأنها كانت ممن وعين الحديث الشريف وتلقينه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأنها شديدة التمسك بالهدي النبوي والخصال المحمدية، ومنها حفظ الحديث النبوي الشريف وروايته ونقله إلى كبار الصحابة والتابعين وأئمة العلماء. و كانت أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها من المكثرات لرواية الحديث النبوي الشريف والحافظات له، حيث أنها روت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ستاً وسبعين حديثاً.
ميمونة وشهادة الإيمان والتقوى:
وعكفت أم المؤمنين على العبادة والصلاة في البيت النبوي وراحت تهتدي بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم - وتقتبس من أخلاقه الحسنة، وكانت حريصة أشد الحرص على تطبيق حدود الله، ولا يثنيها عن ذلك شيء من رحمة أو شفقة أو صلة قرابة، فيحكى أن ذا قرابة لميمونة دخل عليها، فوجدت منه ريح شراب، فقالت: "لئن لم تخرج إلى المسلمين، فيجلدونك، لا تدخل علي أبدا". وهذا الموقف خير دليل على تمسك ميمونة رضي الله عنها بأوامر الله عز وجل وتطبيق السنة المطهرة فلا يمكن أن تحابي قرابتها في تعطيل حد من حدود الله. وقد زكى الرسول صلى الله عليه وسلم إيمان ميمونة رضي الله عنها وشهد لها ولأخوتها بالإيمان لما روى عن ابن عباس رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأخوات المؤمنات: ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وأم الفضل، وسلمى امرأة حمزة، وأسماء بنت عميس أختهن لأمهن" رضي الله عنهم جميعاً.

الأيام الأخيرة والذكريات العزيزة:

كانت أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها، قد عاشت الخلافة الراشدة وهي عزيزة كريمة تحظى باحترام الخلفاء والعلماء، وامتدت بها الحياة إلى خلافة معاوية رضي الله عنه. وقيل: إنها توفيت سنة إحدى وخمسين بسرف ولها ثمانون سنة، ودفنت في موضع قبتها الذي كان فيه عرسها رضي الله عنها، وهكذا جعل الله عز وجل المكان الذي تزوجت به ميمونة هو مثواها الأخير. قال يزيد بن الأصم: "دفنا ميمونة بسرف في الظلة التي بنى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم".

وتلك هي أمنا وأم المؤمنين أجمعين ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها، آخر حبات العقد الفريد، العقد النبوي الطاهر المطهر، وإحدى أمهات المؤمنين اللواتي ينضوين تحت قول الله تعالى (( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا )).

وصدق الله العظيم.

فضائل وأسباب شهرة ميمونة:

وكانت لأم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها شهرة شهد لها التاريخ بعظمتها، ومن أسباب شهرتها نذكر:

إن أم ميمونة هند بنت عوف كانت تعرف بأنها أكرم عجوز في الأرض أصهاراً - كما ذكرت سابقاً- فأصهارها: أشرف الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحبه الصديق، وعميه حمزة والعباس ابنا عبدالمطلب، وجعفر وعلي أبناء عمه أبي طالب، وشداد بن الهاد رضي الله عنهم أجمعين.

ومن أسباب عظمتها كذلك شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم لها ولأخواتها بالإيمان، لما روى عن ابن عباس رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأخوات المؤمنات: ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وأم الفضل زوج العباس، وسلمى امرأة حمزة، وأسماء بنت عميس أختهن لأمهن" رضي الله عنهن جميعاً.

ومنه تكريم الله عز وجل لها عندما نزل القرآن يحكي قصتها وكيف أنها وهبت نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، في قول الله تعالى: (( وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين )).

ومن ذلك أنها كانت آخر من تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبها ختمت أمها المؤمنين، وكانت نعم الختام . وقد كانت تقيه تصل الرحم لشهادة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لها عندما قالت: " إنها والله كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم".

ومما يذكر لميمونة رضي الله عنها أنها كانت أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها من الحافظات المكثرات لرواية الحديث النبوي الشريف، ولم يسبقها في ذلك سوى أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، وأم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها.

صلاح 1985
31-10-2004, 05:50
فاطمة الزهراءإنها سيدة نساء العالمين في زمانها ، رابعة بنات الرسول صلى الله عليه وسلم ، أمها أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وأبوها سيد ولد آدم ، ورحمة للعالمين ، وزوجها سيد في الدنيا والآخرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
وولداها سيدا شباب أهل الجنة ، وريحانتا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين رضي الله عنهما وعمها سيد الشهداء ، وأسد الله ، وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه .
ولدت فاطمة في أم القرى ، وقريش تجدد بناء الكعبة ، وذلك قبل النبوة بخمس سنين ، واستبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمولدها ، وتوسم فيها البركة واليمن ، فسماها فاطمة ، ولقبها ب ( الزهراء ) . وكانت تكنى أم أبيها ، وهي شديدة الشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم .
ونشأت فاطمة في بيت نبوي رحيم ، يكلؤها بالرعاية والسهر على تربيتها لتأخذ قسطاً وافراً من الأدب والحنان والتوجيه النبوي الرشيد ، ومما تتمتع به أمها خديجة رضي الله عنها من صفات زكية وسجايا حميدة .
وما كادت الزهراء تبلغ الخامسة من عمرها حتى بدأ التحول الكبير في حياة أبيها ، بنزول الوحي عليه ، وأحست من الوهلة الأولى بأعباء الدعوة ، وشاهدت والدتها تقف إلى جانب أبيها وتشاركه في كل ما يواجهه من أحداث عظام وخطوب جسام .
وشاهدت العديد من مكائد الكفار لأبيها صلى الله عليه وسلم فتمنت لو استطاعت أن تفديه بحياتها ، وتمنعه من أذى المشركين ، ولكن أنى لها ذلك وهي في عمرها الصغير .
كان من أشد ما قاسته من الآم في بداية الدعوة ذلك الحصار الشديد الذي حوصر به المسلمون مع بني هاشم في شعب أبي طالب ، حتى أثر الحصار والجوع على صحتها ، وماكادت تخرج من محنة الحصار المهلك حتى فؤجئت بوفاة أمها خديجة رضي الله عنها فامتلأت نفسها حزناً وألماً و أسى .
ولما أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى المدينة لمست الدور العظيم الذي قام به علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالمخاطرة بنفسه ليفدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنام في فراشه ليوهم شباب قريش . ثم تمهل رضي الله عنه ثلاثة أيام في مكة ريثما أدى عن النبي صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس .
وفي السنة الثانية من الهجرة تزوج علي بن أبي طالب رضي الله عنه فاطمة ، وبنى بها ، وذلك عقب غزوة بدر الكبرى ، واحتفل بنو عبد المطلب والصحابة الكرام بهذا الحدث السعيد ، ونحر حمزة بن عبد المطلب بعض إبله ، وأطعم الناس ، وانتقلت الزهراء إلى بيت الزوجية الذي كان في غاية البساطة والتواضع .
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب ابنته فاطمة ويكرمها ويسر إليها . وغضب لها النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن أبا الحسن هم بما رآه سائغاً من خطبة بنت أبي جهل فقال " والله لا تجتمع بنت نبي الله وبنت عدو الله ، وإنما فاطمة بضعة مني ، يريبني مارابها ، ويؤذيني ما آذاها " فترك علي رضي الله عنه الخطبة رعاية لها . فما تزوج عليها ولا تسرى . فلما توفيت تزوج وتسرى رضي الله عنه .
ولم يمض عام على الزواج المبارك حتى أقر الله تعالى عين علي وفاطمة ، فوضعت الحفيد الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي في السنة الثالثة من الهجرة ، ففرح به النبي صلى الله عليه وسلم فرحاً كبيراً ، وحنكه بنفسه وسماه الحسن ، وأماط الأذى عن رأسه ، وتصدق على الفقراء بزنة شعره فضة ، فلما بلغ الحسن من العمر عاماً ولد بعده الحسين في شهر شعبان سنة أربعة من الهجرة .
وتتابع الثمر المبارك فولدت الزهراء في العام الخامس للهجرة طفلة أسماها جدها صلى الله عليه وسلم زينب . وبعد عامين وضعت طفلة أخرى هي أم كلثوم .
ومن منزلة فاطمة العالية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى ركعتين ، ثم يأتي فاطمة ، ثم يأتي أزواجه .
تقول عائشة رضي الله عنها :
" ما رأيت أحداً كان أشبه كلاماً وحديثاً برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة ، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها فقبلها ، ورحب بها ، وكذلك كانت هي تصنع به "
ولقد كان لفاطمة الزهراء مواقف وضيئة في الجهاد ، فقد أثرت التاريخ بما قدمته من فضائل فواحة بالأريج في مختلف المجالات المباركة .
ففي غزوة أحد أصيب النبي صلى الله عليه وسلم في بدنه ووجهه وتدفق الدم منه فكانت فاطمة تغسل الدم ، وعلي يسكب الماء عليه بالمجن ، فلما رأت أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة حصير أحرقتها حتى إذا صارت رماداً ألصقتها بالجرح فاستمسك الدم .
وتابعت رضي الله عنها حياة الجهاد في أماكن أخرى ، فشاركت في غزوة الخندق ، وفي خيبر ، وقسم لها صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة خمسة وثلاثين وسقاً من قمح خيبر .
وشهدت غزوة الفتح ، وكان لها موقف مشرق مشرف ، حيث رفضت أن تجير أبا سفيان بن حرب عندما طلب أن تشفع له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لها : هل لك أن تجيري بين الناس ؟ فقالت : إنما أنا امرأة . وأبت عليه ، فقال لها : مري ابنك الحسن . فقالت : ما بلغ أن يجير . ودخل عليه الصلاة والسلام والمسلمون مكة ، ولما اغتسل كانت فاطمة رضي الله عنها تستره بثوبه ، ثم صلى ثماني ركعات .
ولقد احتلمت فاطمة رضي الله عنها حياة الفقر ، وكابدت من ذلك الشئ الكثير ، ولكنها كانت مثالاً للفتاة الصابرة المرابطة .
ولما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ، وأرسى قواعد الإسلام وأكمل الله تعالى الدين ، مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أن سمعت فاطمة بذلك حتى هرعت لتوها لتطمئن إليه وهو عند أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها . فلما رآها هش للقائها قائلاً : مرحباً يابنيتي ، ثم قبلها وأجلسها على يمينه أو عن شماله ، ثم سارها فبكت بكاء شديداً ، فلما رأى جزعها سارها الثانية ، فضحكت . فقالت لها أي عائشة خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين سائر نسائه بالسرار ، ثم أنت تبكين ؟ فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتها : ماقال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : ما كنت لأفشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سره .
فلما توفي قالت عائشة : عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتني ماقال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالت : أما الآن فنعم ، أما حين سار المرة الأولى فأخبرني أن جبريل يعارضه القرآن كل سنة مرة ، وإنه عارضه الآن مرتين ، وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب ، فاتقي الله واصبري ، فإنه نعم السلف أنا لك . قالت : فبكيت بكائي الذي رأيت ، فلما رأى جزعي سارني الثانية ، فقال : يافاطمة ، أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة ؟ وإنك أول أهلي لحوقاً بي واشتد الوجع على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقامت إلى جانب أبيها تسهر عليه وتخدمه ، فلما رأته قد أثقل ، وجعل يتغشاه الكرب خنقتها العبرة وقالت بصوت يفيض حزناً ولوعة : واكرب أبتاه . فقال لها صلى الله عليه وسلم : " ليس على أبيك كرب بعد اليوم " فلما مات عليه الصلاة والسلام جعلت تقول :
يا أبتاه ، أجاب رباً دعاه .
يا أبتاه ، جنة الفردوس مثواه .
يا أبتاه ، إلى جبريل ننعاه .
فلما دفن صلى الله عليه وسلم قالت : يا أنس ، كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب ؟
ولم تمض على وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر أو قريباً منها حتى مرضت فاطمة ، وانتقلت إلى جوار ربها ليلة الثلاثاء ، لثلاث خلون من شهر رمضان ، سنة إحدى عشرة ، وهي بنت أربع وعشرين سنة على الأصح
رحم الله تعالى الزهراء ريحانة سيد ولد آدم ، وزوج سيد الفرسان ورضي الله عنها وأرضاها

صلاح 1985
31-10-2004, 06:00
مارية القبطية
بنت شمعون رضي الله عنها .
أنزل الله عز وجل صدر سورة

التحريم بسبب مارية رضي الله عنها

مــارية القبطـية ( هدية المقوقس )

قدمت مارية إلى المدينة المنورة بعد صلح الحديبية في سنة سبع من الهجرة. وذكر المفسرون أن اسمها مارية بنت شمعون القطبية، بعد أن تم صلح الحديبية بين الرسول وبين المشركين في مكة، بدأ الرسول في الدعوة إلى الإسلام ، وكتب الرسول - صلى الله عليه وسلم - كتبا إلى ملوك العالم يدعوهم فيها إلى الإسلام، واهتم بذلك اهتماماً كبيراً، فاختار من أصحابه من لهم معرفة و خبرة، وأرسلهم إلى الملوك، ومن بين هؤلاء الملوك هرقل ملك الروم، كسرى أبرويز ملك فارس، المقوقس ملك مصر و النجاشي ملك الحبشة. تلقى هؤلاء الملوك الرسائل وردوا رداً جميلا، ما عدا كسرى .ملك فارس، الذي مزق الكتاب.

لما أرسل الرسول كتاباً إلى المقوقس حاكم الإسكندرية والنائب العام للدولة البيزنطية في مصر، أرسله مع حاطب بن أبي بلتعة، وكان معروفاً بحكمته وبلاغته وفصاحته. فأخذ حاطب كتاب الرسول إلى مصر وبعد ان دخل على المقوقس الذي رحب به. واخذ يستمع إلى كلمات حاطب، فقال له " يا هذا، إن لنا ديناً لن ندعه إلا لما هو خير منه".

واُعجب المقوقس بمقالة حاطب، فقال لحاطب: " إني قد نظرت في أمر هذا النبي فوجدته لا يأمر بزهودٍ فيه، ولا ينهي عن مرغوب فيه، ولم أجدهُ بالساحر الضال، ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آية النبوة بإخراج الخبء و الأخبار بالنجوى وسأنظر"

أخذ المقوقس كتاب النبي وختم عليه، وكتب إلى النبي :

" بسم الله الرحمن الرحيم

لمحمد بن عبدالله، من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد

فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبياً بقي،

وكنت أظن أنه سيخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين لهما

مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديتُ إليك بغلة لتركبها والسلام عليك".

وكانت الهدية جاريتين هما: مارية بنت شمعون القبطية وأختها سيرين. وفي طريق عودت حاطب إلى المدينة، عرض على ماريه وأختها الإسلام ورغبهما فيه، فأكرمهما الله بالإسلام.

وفي المدينة، أختار الرسول مارية لنفسه، ووهب أختها سيرين لشاعره الكبير حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه. كانت ماريه رضي الله عنها بيضاء جميلة الطلعة، وقد أثار قدومها الغيرة في نفس عائشة رضي الله عنها، فكانت تراقب مظاهر اهتمام رسول الله بها. وقالت عائشة رضي الله عنها:" ما غرت على امرأة إلا دون ما غرت على مارية، وذلك أنها كانت جميلة جعدة-أو دعجة- فأعجب بها رسول الله وكان أنزلها أول ما قدم بها في بيتٍ لحارثة بن النعمان، فكانت جارتنا، فكان عامة الليل والنهار عندها، حتى فرغنا لها، فجزعت فحولها إلى العالية، وكان يختلف إليها هناك، فكان ذلك أشد علينا" .

ولادة مارية لإبراهيم

وبعد مرور عام على قدوم مارية إلى المدينة، حملت مارية، وفرح النبي لسماع هذا الخبر فقد كان قد قارب الستين من عمره وفقد أولاده ما عدا فاطمـة الزهراء رضوان الله عليها. ولدت مـارية في "شهر ذي الحجة من السنة الثامنة للهجرة النبوية الشريفة"، طفلاً جميلاً يشبه الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد سماه إبراهيم، " تيمناً بأبيه إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام" وبهذه الولادة أصبحت مـارية حرة .

وعاش إبراهيم ابن الرسول سنة وبضع شهور يحظى برعاية رسول الله ولكنه مرض قبل أن يكمل عامه الثاني، وذات يوم اشتد مرضه، ومات إبراهيم وهو ابن ثمانية عشر شهراً، " وكانت وفاته يوم الثلاثاء لعشر ليال خلت من ربيع الأول سنة عشر من الهجرة النبوية المباركة"، وحزنت مارية حزناً شديداً على موت إبراهيم.

مكانة مارية في القرآن الكريم:

لمـارية رضي الله عنها شأن كبير في الآيات المباركة وفي أحداث السيرة النبوية. "أنزل الله عز وجل صدر سورة التحريم بسبب مارية القبطية، وقد أوردها العلماء والفقهاء والمحدثون والمفسرون في أحاديثهم وتصانيفهم". وقد توفي الرسول عنها وهو راض عن مـارية، التي تشرفت بالبيت النبوي الطاهر، وعدت من أهله، وكانت مـارية شديدة الحرص على اكتساب مرضاة الرسول صلى الله علية وسلم، كما عرفت بدينها وورعها وعبادتها.

وفاة مارية

عاشت مـارية ما يقارب الخمس سنوات في ظلال الخلافة الراشدة، وتوفيت في السنة السادسة عشر من محرم. دعا عمر الناس وجمعهم للصلاة عليها . فاجتمع عدد كبير من الصحابة من الهاجرين والأنصار ليشهدوا جنازة مـارية القبطية، وصلى عليها سيدنا عمر رضي الله عنه في البقيع، ودفنت إلى جانب نساء أهل البيت النبوي، وإلى جانب ابنها إبراهيم.

.

صلاح 1985
31-10-2004, 06:03
أم المؤمنين صفية بنت حيي ـ رضي الله عنها
السيدة الفاضلة الشريفة العاقلة الحسيبة النسيبة أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب بن سعية من سبط اللاوي بن نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ـ عليهم السلام – ثم من ذرية نبي الله هارون – عليه السلام - .
تزوجها قبل إسلامها ، سلام بن أبي الحقيق ، ثم خلف عليها كنانة ابن أبي الحقيق ، وكان من شعراء اليهود ، فقتل كنانة يوم خيبر عنها ، وسبيت وصارت في سهم دحية الكلبي – رضي الله عنه - ، فقيل للنبي صلي الله عليه وسلم عنها ، وأنها لا ينبغي أن تكون إلا لك ، فأخذها من دحية ، وعوضه عنها سبعة أرؤس .
قال أنس : جمع السبي – يعني بخيبر – فجاءه دحية فقال يا رسول الله ، أعطني جارية من السبي ، فقال : اذهب فخذ جارية ، فأخذ صفية بنت حيي ، فجاء رجل إلي نبي الله صلي الله عليه وسلم فقال : يا نبي الله ، أعطيت دحية صفية بنت حيي سيد قريظة والنضير ، لا تصلح إلا لك ، قال : ادعوه بها ، قال : فجاء بها ، فلما نظر إليها النبي صلي الله عليه وسلم قال: خذ جارية من السبي غيرها ، قال : وأعتقها وتزوجها (1) ، وذلك بعد أن طهرت وجعل عتقها صداقها (2) .
واختارت السيدة صفية رضي الله عنها رسول الله صلي الله عليه وسلم علي أهلها وعشيرتها ، وأسلمت وحسن إسلامها ولما أخذها النبي صلي الله عليه وسلم من دحية بسبعة أرؤس ، ودفعها إلي أم سليم حتي تهيئها ، وتصنعها ، وتعتد عندها ، فكانت وليمته : السمن ، والإقط(3) ، والتمر ، وفحصت الأرض أفاحيص (4) فجعل فيها الأنطاع ، ثم جعل ذلك فيها (1) .
إكرام النبي صلي الله عليه وسلم لها :
وكان النبي صلي الله عليه وسلم يكرمها ويحسن إليها ويحب رضاها قال أنس – رضي الله عنه - : أقبلنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم أنا وابو طلحة وصفية رديفته ، فعثرت الناقة، فصرع ، وصرعت ، فاقتحم أبو طلحة عن راحلته ، فأتي النبي صلي الله عليه وسلم ، قال : يا نبي الله ، هل ضرك شيء ، قال : لا ، عليك بالمرأة فألقي أبو طلحة ثوبه علي وجهه ، وقصد نحوها ، فنبذ الثوب عليها ، فقامت فشدها علي راحلته ، فركبت ، وركب النبي صلي الله عليه وسلم (2) .
وعن عطاء بن يسار قال : لما قدم رسول الله صلي الله عليه وسلم من خيبر ، ومعه صفية ، أنزلها ، فسمع بجمالها نساء الأنصار ، فجئن ينظرن إليها ، وكانت عائشة متنقبة حتي دخلت ، فعرفها ، فلما خرجت ، خرج ، فقال : كيف رأيت ؟ قالت : رأيت يهودية ،قال : لا تقولي هذا فقد أسلمت (3) .
وقالت صفية بنت حيي – رضي الله عنها : دخل علي رسول الله صلي الله عليه وسلم وقد بلغني عن عائشة وحفصة كلام ، فذكرت له ذلك ، فقال : ألا قلت : وكيف تكونان خيراً مني ، وزوجي محمد ، وأبي هارون ، وعمي موسي .
وكان بلغها ، أنهما قالتا : نحن أكرم علي رسول الله صلي الله عليه وسلم منها ، نحن وأزواجه وبنات عمه (4) .
وأصابت صفية – رضي الله عنها – نار الغيرة ، ووقعت المشاحنات بينها وبين جاراتها ، فمرة لها ومرة عليها ، لكن هذا لم يخرج عن حدود الحق .
تقول صفية – رضي الله عنها : إن النبي صلي الله عليه وسلم حج بنسائه ، فبرك بصفية جملها فبكت ، وجاء رسول الله صلي الله عليه وسلم لما أخبروه ، فجعل يمسح دموعها بيده ، وهي تبكي ، وهو ينهاها ، فنزل رسول الله صلي الله عليه وسلم بالناس ، فلما كان عند الرواح ، قال لزينب بنت جحش ، أفقري اختك (1) جملاً ، وكانت من أكثرهن ظهراً ، فقالت : أنا أفقر يهوديتك ، فغضب صلي الله عليه وسلم فلم يكلمها ، حتي رجع إلي المدينة ومحرم وصفر ، فلم يأتها ولم يقسم لها ، ويئست منه فلما كان ربيع الأول دخل عليها ، فلما رأته قالت : يا رسول الله : ما أصنع ؟ قال : وكانت لها جارية تخبؤها من رسول الله صلي الله عليه وسلم فقالت : هي لك، قال : فمشي النبي صلي الله عليه وسلم إلي سريرها ، وكان قد رفع فوضعه بيده ، ورضي عن أهله (2) .
وعن أنس قال : بلغ صفية أن حفصة قال: بنت يهودي فبكت ، فدخل عليها النبي صلي الله عليه وسلم وهي تبكي ، فقال: ما يبكيك ؟ فقالت: قالت لي حفصة : إني بنت يهودي ، فقال النبي صلي الله عليه وسلم إنك لابنة نبي ، وإن عمك نبي ، وإنك لتحت نبي ، ففيم تفخر عليك ؟ ثم قال : اتقي الله يا حفصة (3) .
وكان النبي صلي الله عليه وسلم يسرع في إكرام صفية رضي الله عنها- ومن ذلك أنه خرج من معتكفه تكرمة لصفية ، تقول أم المؤمنين صفية – رضي الله عنها : كان رسول الله صلي الله عليه وسلم معتكفاً ، فأتيته أزوره ليلاً ، فحدثته ثم قمت لأنقلب ، فقام ليقلبني ، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد ، فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي صلي الله عليه وسلم أسرعا، فقال النبي صلي الله عليه وسلم : علي رسلكما إنها صفية بنت حيي ، فقال : سبحان الله : يا رسول الله ، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم : إن الشيطان يجري من بني آدم مجري الدم ، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً (4) .
وكانت صفية في المقابل تحب رسول الله ، حباً جماً ، فقد ورد أن صفية بنت حيي قالت في وجع النبي صلي الله عليه وسلم الذي توفي فيه ، والله يا نبي الله لوددت أن الذي بك بي ، فغمزها أزواجه ، فأبصرهن ، فقال : مضمضن قلن : من أي شيء؟ قال : من تغامزكن بها ، والله إنها لصادقة .
حلمها وكرمها : وكانت صفية – رضي الله عنها – حليمة كريمة جوادة رحيمة رقيقة شفيقة ورد أن جارية لصفية أتت عمر بن الخطاب – فقالت : إن صفية تحب السبت ، وتصل اليهود ، فبعث عمر يسألها ، فقالت : أما السبت ، فلم أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة ، وأما اليهود ، فإن لي فيهم رحماً ، فأنا اصلها ثم قالت للجارية : ما حملك علي ما صنعت ؟ قالت : الشيطان ؟ قالت : فاذهبي فأنت حرة .
وعن سعيد بن المسيب قال : قدمت صفية بنت حيي في أذنيها خرصة من ذهب فوهبت منه لفاطمة ولنساء معها .
شجاعتها وجهادها : وكانت صفية – رضي الله عنها – شجاعة لا تخاف في الله لومة لائم ، تجلي لنا هذا من دفاعها بالقول والفعل عن عثمان – رضي الله عنه – يوم حصره قال كنانة : كنت أقود بصفية لترد عن عثمان ، فلقيها الأشتر ،فضرب وجه بغلتها حتي مالت ، فقالت : ذروني لا يفضحني هذا ! ثم وضعت خشباً من منزلها إلي منزل عثمان ، تنقل عليه الماء والطعام .
وبعد حياة حافلة بالصبر والمصابرة ، والجهاد والمجاهدة والرباط والمرابطة انتقلت صفية إلي جنة ربها ، ورجعت إليه راضية مرضية ، فتوفيت سنة اثنين وخمسين في خلافة معاوية – رضي الله عنه – وقيل غير ذلك .
بشراك بالجنة الفيحاء بشراك .

صلاح 1985
31-10-2004, 06:05
أم هانئ بنت أبي طالب
السيدة الفاضلة : أم هانئ بنت عم النبي صلى الله عليه وسلم أبي طالب ، الهاشمية ، المكية ، أخت علي وجعفر .
- كانت تحت هبيرة بن عمرو بن عائذ المخزومي ، فهرب يوم الفتح إلى نجران .
- أولادها : عمرو بن هبيرة ، وجعدة ، وهانئاً ، ويوسف .
- عاشت إلى بعد سنة خمسين .
- عن أبي النضر مولى عمر بن عبد الله : أن أبا مرة مولى أم هانئ أخبره : أنه سـمع أم هانئ تقول : ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ، فوجدته يغتسل وفاطمة تستره بثوب ، فسـلمت ، فقال:( من هـذه ؟ ) ، قـلت : أنا أم هانئ بنت أبي طـالب ، فـقال : مرحبـاً بأم هانئ ، فلما فـرغ من غسله قام فصلى ثمان ركعات ملتحفاً بثـوب ، فقلت : يارسول الله ، زعم ابن أمي – تعني علياً – أنه قاتل رجـلاً قد أجـرته : فلان ابن هبيرة ، فقال : ( قد أجرنا من أجرت ياأم هانئ ) ، وذلك ضحى .
- وقيلل: إن أم هانئ لما بانت عن هبيرة بإسلامها خطبها رسـول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إني امرأة مصبية [ ذات صبيان ] ، فسكت عنها .

صلاح 1985
31-10-2004, 06:13
أم المؤمنين جويرية بنت الحارث
سيرة عطرة يود الكثير من أهل الخير لو كانوا طرفا منها. وليست هناك أصدق و أبهى وأنظر من سيرة سيدة من سيدات و أمهات المؤمنين .نروي لكم قصتها و سيرتها لتكون عظة و موعظة .ولنأخذ قطوف دانية مباركة من سيرة أم المؤمنين جويرية التي خصها الله عز وجل بالطهارة ، و ما أجمل سيرتها العطرة.رضي الله عنها ورضاها.
يحتوى الموضوع على عدة أقسام منها: نشأتها، زواجها، بركتها ، صفاتها ونقلها للأحاديث و من ثم وفاتها. وقد استندت إلى عدة مصادر ومراجع أهمها: نساء أهل البيت لأحمد خليل جمعة.
نشـأة أم المؤمنين
هي برة بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن عابد بن مالك من خزاعة من بنى المصطلق .فهي مصطلقية خزاعية أزدية .
كان أبوها سيد وزعيم بني المصطلق .عاشت برة في بيت والدها معززة مكرمة في ترف وعز وفي بيت تسوده العراقة والأصالة ، وفي حداثة سنها تزوجت برة من مسافع بن صفوان أحد فتيان خزاعة وكانت لم تتجاوز العشرين من عمرها.
بدايات النور
بدأ الشيطان يتسلل إلى قلوب بني المصطلق ويزين لهم بأنهم أقوياء يستطيعون التغلب على المسلمين، فأخذوا يعدون العدة و يتأهبون لمقاتلة المجتمع المسلم بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم. فتجمعوا لقتال رسو ل الله وكان بقيادتهم سيدهم الحارث بن أبي ضرار، وقد كانت نتيجة القتال هي انتصار النبي صلى الله عليه وسلم وهزيمة بني المصطلق في عقر دارهم . فما كان من النبي إلا أن سبى كثيرا من الرجال والنساء،وكان مسافع بن صفوان زوج جويرية من الذين قتلتهم السيوف المسلمة وقد كانت السيدة جويرية بنت الحارث من النساء اللاتي وقعن في السبى فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري رضي الله عنه ، عندها اتفقت معه على مبلغ من المال تدفعه له مقابل عتقها.لأنها كانت تتوق للحرية .
زواج جويرية من الرسول صلى الله عليه وسلم
ومن ثم شاءت الأقدار أن تذهب السيدة جويرية إلى سول الله صلى الله عليه وسلم فرأتها السيدة عائشة أم المؤمنين فقالت تصفها : كانت حلوة ملاحة. وقالت : فو الله ما رأيتها على باب حجرتي إلا كرهتها، وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت. جاءت جويرية رسول الله و قالت : " أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه ، وقد أصابني من الأمر ما قد علمت ، فوقعت في السهم لثابت بن قيس فكاتبني على نفسه تسع أوراق فأعني على فكاكي".
ولأن بني المصطلق كانوا من أعز العرب دارا وأكرمهم حسبا ، ولحكمة النبي صلى الله عليه وسلم
قال لجويرية : " فهل لكِ في خير من ذلك؟".
قالت : " وما هو يا رسول الله ؟" .
قال: " أقضي عنك كتابتك و أتزوجك" .
قالت : نعم
قال صلى الله عليه وسلم : قد فعلت .
وكانت قبل قليل تتحرق طلبا لاستنشاق عبير الحرية و لكنها وجدت الأعظم من ذلك .ففرحت جويرية فرحا شديدا و تألق وجهها لما سمعته من رسول الله ولما سوف تلاقيه من أمان من بعد الضياع و الهوان
وخرج الخبر الى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج جويرية بنت الحارث فقالوا : أصهار رسول الله يسترقون !
فعتق المسلمون ما كان في أيديهم من سبايا بني المصطلق فقالت عائشة رضي الله عنها : لا نعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها من جويرية .
ويقال ( السيرة النبوية لابن هشان ج3، 308) لما أنصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بني المصطلق ومعه جويرية بنت الحارث دفع جويرية إلى رجل من الأنصار وديعة ، وأمره بالاحتفاظ بها وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة . فأقبل أبوها الحارث بن أبي ضرار بفداء أبنته فلما كان بالعقيق ( موضع قرب المدينة ) نظر الى الإبل التي جاء بها للفداء فرغب في بعيرين منها فغيبهما في شعب ( الوادي ) من شعاب العقيق ، ثم أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال :
يامحمد ، أصبتم ابنتي ، وهذا فداؤها .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق ، في شعبِ كذا ؟
فقال الحارث : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك محمد رسول الله . فوالله ما اطلع على ذلك إلا الله .
فأسلم الحارث وأسلم ابنان له وناس من قومه . وأرسل إلى البعيرين فجاء بهما فدفع الإبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودفعت إليه ابنته جويرية فأسلمت وحسن إسلامها .
فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبيها فزوجه إياها ، وأصدقها
400 درهم، وقال أبو عمر القرطبي في الاستيعاب : كان اسمها برة فغير رسول صلى الله عليه وسلم
اسمها و سماها جويرية. فأصبحت جويرية بعدها أما للمؤمنين وزوجة لسيد الأولين والآخرين .
صفاتها وأهم ملامحها
كانت السيدة جويرية من أجمل النساء ، كما أنها تتصف بالعقل الحصيف و الرأي السديد الموفق الرصين ، و الخلق الكريم و الفصاحة و مواقع الكلام كما كانت تعرف بصفاء قلبها و نقاء سريرتها، وزيادة على ذلك فقد كانت واعية ، تقية، نقية، ورعة ، فقيهة ، مشرقة الروح مضيئة القلب و العقل.
الذاكرة القانتة
راحت السيدة جويرية تحذو حذو أمهات المؤمنين في الصلاة والعبادة وتقتبس من الرسول صلى الله عليه وسلم
و من أخلاقه و صفاته الحميدة حتى أصبحت مثلا في الفضل و الفضيلة . وكانت أم المؤمنين جويرية من العابدات القانتات السابحات الصابرات ، وكانت مواضبه على تحميد العلي القدير وتسبيحه وذكره .
ناقلة الحديث
كانت جويرية رضي الله عنها تروي من حديث رسول صلى الله عليه وسلم يرويه عنها علماء الصحابة الكرام رضوان الله عليهم .و من الذين رووا عن أم المؤمنين جويرية من الصحابة: جابر بن عبد الله الأنصاري، و عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم.
كما جاء لأم المؤمنين سبعة أحاديث، منها حديث عند الإمام البخاري و عند الإمام مسلم حديثان.
و من الأحاديث التي أخرجها الإمام البخاريُ رحمه الله عن قتادة عن أيوب عن جويرية بنت الحارث رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم
دخل عليها يوم الجمعة، وهي صائمة فقال: " أصمت أمس" ؟ قالت : لا
قال: "تريدين أن تصومي غدا"؟
قالت : لا ، قال: "فأفطري"
و هذا يدل على كراهية تخصيص يوم الجمعة بالصوم.
لقاء الله
عاشت السيدة جويرية بعد رسول الله راضية مرضية، و امتدت حياتها إلى خلافة سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما . توفيت أم المؤمنين في شهر ربيع الأول من سنة ست وخمسين وبلغت سبعين سنة ، وشيع جثمانها في البقيع ، لأنه تزوجها صلى الله عليه وسلم وهي بنت عشرين سنة ( نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ص 62 ) وقيل توفيت سنة خمسين وهي بنت خمس وستين سنة ، و صلى عليها مروان بن الحكم.

صلاح 1985
31-10-2004, 06:17
رملة أم حبيــــــبة

أم حبيبة :

أم المؤمنين، السيدة المحجبة، من بنات عم الرسول- صلى الله عليه وسلم- ، رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف . صحابية جليلة، ابنة زعيم، وأخت خليفة، وزوجة خاتم النبيين محمد- عليه الصلاة والسلام-.

فأبوها أبو سفيان، زعيم ورئيس قريش، والذي كان في بداية الدعوة العدو اللدود للرسول- عليه الصلاة والسلام- وأخوها معاوية بن أبي سفيان، أحد الخلفاء الأمويين، ولمكانة وجلالة منزلة أم حبيبة في دولة أخيها (في الشام)، قيل لمعاوية: "خال المؤمنين" . وأخيراً، فهي من زوجات الرسول-عليه الصلاة والسلام-، فليس هناك من هي أكثر كرماً وصداقاً منها، ولا في نسائه من هي نائية الدار أبعد منها. وهذا دليل على زهدها وتفضيلها لنعم الآخرة على نعيم الدنيا الزائل.

كانت أم حبيبة من ذوات رأي وفصاحة، تزوجها أولاً عبيد الله بن جحش، وعندما دعا الرسول- عليه الصلاة والسلام- الناس في مكة إلى الإسلام، أسلمت رملة مع زوجها في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وحينما اشتد الأذى بالمسلمين في مكة؛ هاجرت رملة بصحبة زوجها فارة بدينها متمسكة بعقيدتها، متحملة الغربة والوحشة، تاركة الترف والنعيم التي كانت فيها، بعيدة عن مركز الدعوة والنبوة، متحملة مشاق السفر والهجرة، فأرض الحبشة بعيدة عن مكة، والطريق تتخلله العديد من الطرق الوعرة، والحرارة المرتفعة، وقلة المؤونة، كما أن رملة في ذلك الوقت كانت في شهور حملها الأولى، في حين نرى بأن سفر هذه الأيام سفر راحة ورفاهية، ووسائل النقل المتطورة ساعدت على قصر المسافة بين الدول. وبعد أشهر من بقاء رملة في الحبشة، أنجبت مولودتها "حبيبة"، فكنيت "بأم حبيبة".

رؤية أم حبيبة:

في إحدى الليالي، رأت أم حبيبة في النوم أن زوجها عبيد الله في صورة سيئة، ففزعت من ذلك ، وحينما أصبحت، أخبرها زوجها بأنه وجد في دين النصرانية ما هو أفضل من الإسلام، فحاولت رملة أن ترده إلى الإسلام ولكنها وجدته قد رجع إلى شرب الخمر من جديد.

وفي الليلة التالية، رأت في منامها أن هناك منادياً يناديها بأم المؤمنين، فأولت أم حبيبة بأن الرسول سوف يتزوجها. وبالفعل؛ مع مرور الأيام، توفي زوجها على دين النصرانية، فوجدت أم حبيبة نفسها غريبة في غير بلدها، وحيدة بلا زوج يحميها، أمًّا لطفلة يتيمة في سن الرضاع، وابنة لأب مشرك تخاف من بطشه ولا تستطيع الالتحاق به في مكة، فلم تجد هذه المرأة المؤمنة غير الصبر والاحتساب، فواجهت المحنة بإيمان وتوكلت على الله- سبحانه وتعالى-.

زواج أم حبيبة:

علم الرسول- صلى الله عليه وسلم- بما جرى لأم حبيبة، فأرسل إلى النجاشي طالباً الزواج منها، ففرحت أم حبيبة ، وصدقت رؤياها، فعهدها وأصدقها النجاشي أربعمائة دينار، ووكلت هي ابن عمها خالد بن سعيد ابن العاص، وفي هذا دلالة على أنه يجوز عقد الزواج بالوكالة في الإسلام. وبهذا الزواج خفف الرسول من عداوته لبني أمية، فعندما علم أبو سفيان زواج الرسول من ابنته رملة، قال: ذاك الفحل، لا يقرع أنفه! ويقصد أن الرسول رجل كريم، وبهذه الطريقة خفت البغضاء التي كانت في نفس أبي سفيان على الرسول- صلى الله عليه وسلم-، كما أن في هذا الموقف دعوة إلى مقابلة السيئة بالحسنة، لأنها تؤدي إلى دفع وزوال الحقد والضغينة و صفاء النفوس بين المتخاصمين.

أبو سفيان في بيت أم حبيبة:

حينما نقض المشركون في مكة صلح الحديبية، خافوا من انتقام الرسول- صلى الله عليه وسلم-، فأرسلوا أبا سفيان إلى المدينة لعله ينجح في إقناع الرسول بتجديد الصلح، وفي طريقه إلى النبي- عليه الصلاة والسلام-، مر أبو سفيان على ابنته أم حبيبة في بيتها، وعندما هم بالجلوس على فراش الرسول- صلى الله عليه وسلم- سحبته أم حبيبة من تحته وطوته بعيداً عنه، فقال أبو سفيان: "أراغبة بهذا الفراش يا بنية عني؟ أم بي عنه؟" ، فأجابته: "بل به عنك ، لأنه فراش الرسول- صلى الله عليه وسلم- وأنت رجل نجس غير مؤمن"، فغضب منها، وقال: "أصابك بعدي شر"، فقالت: "لا والله بل خير". وهنا نجد بأن هذه المرأة المؤمنة أعطت أباها المشرك درساً في الإيمان، ألا وهو أن رابطة العقيدة أقوى من رابطة الدم والنسب، وأنه يجب علينا عدم مناصرة وموالاة الكفار مهما كانت صلة المسلم بهم، بل يجب علينا محاربتهم ومقاتلتهم من أجل نصرة الإسلام.

لذلك ، جهز الرسول - صلى الله عليه وسلم- المسلمين لفتح مكة، وبالرغم من معرفة أم حبيبة لهذا السر، إلا أنها لم تخبر أباها، وحافظت على سر رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وسر المسلمين. ففتح المسلمون مكة، ودخل العديد من المشركين في دين الله، وأسلم أبو سفيان، فتكاملت أفراح أم حبيبة وشكرت الله على هذا الفضل العظيم. وفي هذا الموقف إشارة إلى أنه يجب على المرأة المسلمة حفظ سر زوجها، وعدم البوح به حتى لأقرب الناس إليها، فهناك العديد من النساء اللاتي يشركن الأهل في حل المشاكل الزوجية، والكثير من هؤلاء النسوة يطلقن بسبب إفشائهن للسر وتدخل الأهل. لذلك يجب على الزوجة الصالحة المحافظة على بيت الزوجية وعدم البوح بالأسرار.

دورها في رواية الحديث الشريف:

روت أم حبيبة- رضي الله عنها- عدة أحاديث عن الرسول- صلى الله عليه وسلم-. بلغ مجموعها خمسة وستين حديثاً، وقد اتفق لها البخاري ومسلم على حديثين. فلأم حبيبة- رضي الله عنها- حديث مشهور في تحريم الربيبة وأخت المرأة،" ‏فعن ‏ ‏زينب بنت أم سلمة ‏ ‏عن ‏ ‏أم حبيبة بنت أبي سفيان ‏ ‏قالت ‏
‏دخل علي رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقلت له هل لك في ‏ ‏أختي ‏ ‏بنت ‏ ‏أبي سفيان ‏ ‏فقال أفعل ماذا قلت تنكحها قال ‏ ‏أو تحبين ذلك قلت لست لك ‏ ‏بمخلية ‏ ‏وأحب من شركني في الخير أختي قال فإنها لا تحل لي قلت فإني أخبرت أنك تخطب ‏ ‏درة بنت أبي سلمة ‏ ‏قال بنت ‏ ‏أم سلمة ‏ ‏قلت نعم قال ‏ ‏لو أنها لم تكن ‏ ‏ربيبتي ‏ ‏في ‏ ‏حجري ‏ ‏ما حلت لي إنها ابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأباها ‏ ‏ثويبة ‏ ‏فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن" . كذلك حديثها في فضل السنن الراتبة قبل الفرائض وبعدهن. كما أنها ذكرت أحاديث في الحج، كاستحباب دفع الضعفة من النساء وغيرهن من المزدلفة إلى منى في أواخر الليل قبل زحمة الناس، كما أنها روت في وجوب الإحداد للمرأة المتوفى عنها زوجها، ووفي أبواب الصوم: روت في الدعاء بعد الأذان، وفي العير التي فيها الجرس لا تصحبها الملائكة، وغيرها من الأحاديث التي كانت تصف أفعال الرسول- عليه الصلاة والسلام- وأقواله.

وفاتها:

توفيت- رضي الله عنها- سنة 44 بعد الهجرة، ودفنت في البقيع، وكانت قد دعت عائشة- أم المؤمنين- قبل وفاتها، فقالت: قد يكون بيننا وبين الضرائر فغفر لي ولك ما كان من ذلك. . فقالت عائشة: غفر الله لك ذلك كله وتجاوز وحلك من ذلك ، فقالت أم حبيبة: سررتني سرك الله. وأرسلت إلى أم سلمة فقالت لهل: مثل ذلك ، وفي هذا إشارة إلى ما يجب على المسلمين أن يفعلوه قبل ساعة الموت، ألا وهو التسامح والمغفرة، كما فعلت أم حبيبة مع أمهات المؤمنين- رضوان الله عليهن أجمعين-.

صلاح 1985
31-10-2004, 06:24
زينب بنت جحش
هي زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر – ينتهي نسبها إلى أسد بن خزيمة فهي أسدية مضرية . أما أمها فهي أميمة بنت عبدالمطلب ، الهاشمية القرشية .

زيد وزينب
كان زيد مولى خديجة بنت خويلد ، عاد به ( حكيم بن حزام ) أبن أخي خديجة من تجارة له ، مع عدد من الرقيق . فلما جاءت عمته خديجة تزوره ( قد كانت حينذاك زوجة محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم ، عزم عليها أن تختار أحد الغلمان ، فاختارت زيداً ، فلما رآه سيدنا محمد استوهبته منها ، فوهبته له ، ولم يكن زيد عبداً ، فهو ( زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب الكلبي ) من كلب بن وبرة القضاعي القحطاني ، من بني زيد اليعملات .
خرجت به أمه ( سُعدى بنت ثعلبة ) لتُزيره أهلها بني معن بن طيّئ ، فأصابته خيل من بني القَيْن بن جسر فباعوه بسوق من أسواق العرب ، فاشتراه حكيم بن حزام .
وكان ( حارثة ) قد جزع على ( زيد أشد الجزع ) وخرج يلتمسه ، حتى سمع بمكانه في مكة فانطلق مع أخيه ( كعب ) حتى وقفا على محمد بن عبد الله حيث وجداه في البيت العتيق فقالا له :
يا بن عبد المطلب ، ياسيد قومه ،أنتم جيران الله ، تفكون العاني ( الأسير ) وتطعمون الجائع ، وقد جئتك في ابننا فتحسن إلينا في فدائه .
قال : أوغير ذلك؟
قالوا : ما هو ؟
أجاب أدعوه وأخبره ، فإن اختاركما فذاك ، وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من أختارني أحداً .
ودُعي زيد ، فاختار سيده . فقال له أبوه :
( أتختار العبودية على أبيك وأمك ) ؟
فقال زيد : ( إني قد رأيت من هذا الرجل شيئاً ، وما أنا بالذي أفارقه أبداً .
عند ذلك : أخذ محمد بيده وقام إلى الملأ من قريش فأشهدهم أن زيداً أبنه وارثاً وموروثاً .
ودعي الغلام ( زيد بن محمد ).
وكان أول من أسلم بعد علي بن أبي طالب .
فلما بلغ زيد سن الزواج ، اختار له النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش بنت عمته. لكن زينب وأهلها كرهوا ذلك الزواج ، لأنه ليس من عادة ذلك المجتمع أن يوافق على زواج المولى من سيدة شريفة ، حتى وإن كان ذلك المولى معروف النسب .
ثم نزل القرآن الكريم بقوله تعالى: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا ) الأحزاب 36
فزفت زينب إلى زيد ، استجابة لأمر الله ورسوله ، وألغي هذا الزواج التفاوت الطبقي الذي كان سائداً قبل الإسلام وأصبح التفاضل بين الناس بالتقوى كما قال تعالى: ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) الحجرات 13
لكن زيداً قاسى من ترفع زوجته عليه ، فشكا ذلك الى الرسول صلى الله عليه وسلم فأوصاه عليه السلام وقال له: ( أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ) الأحزاب 37
وتكررت الشكوى من زيد للرسول صلى الله عليه وسلم وتكرر جوابه صلى الله عليه وسلم: ( أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ) الأحزاب 37
لكن زينب هجرته فما استطاع إليها سبيلاً بعد ذلك اليوم ، وطلقها .
زواجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووليمة العرس :
فلما انقضت عدتها تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم المنافقون في ذلك وقالوا حَرم محمد نساء الولد وتزوج امرأة ابنه ! فأنزل عز وجل قوله : ( مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ) الأحزاب 40
وقال جل شأنه : ( ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ ) الأحزاب 5
فدعي من ذلك اليوم ( زيد بن حارثة ) بدلاً من ( زيد بن محمد ) .
وقد تنزل القرآن الكريم مشيراً إلى هذه القصة التي تداولتها الألسنة وكثر فيها الكلام قال تعالى : ( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ) الأحزاب 37
تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب ( وكان اسمها بَرَّة ) ، لهلال ذي القعدة سنة خمس –كما ذكر ابن سعد وغيره – وهي يؤمئذ بنت خمس وثلاثين سنة .
وكانت وليمة العرس حافلة مشهودة ، فقد ذبح صلى الله عليه وسلم شاة وأمر مولاه ( أنس بن مالك ) أن يدعو الناس الى الوليمة فاقبلوا أفواجاً قال أنس :
( حتى أكلوا كلهم ) فقال لي صلى الله عليه وسلم : يا أنس ارفع .
وبقى بعض المدعون في بيت الرسول صلى الله عليه وسلم يتحدثون ورسول الله جالس وزوجته موليه ظهرها إلى الحائط فثقلوا على النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى قوله :
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ) الأحزاب 53
ومن ذلك اليوم فُرض الحجاب على نساء النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنات جميعاً

القوامة الصّوامة
كانت زينب – رضي الله عنه – صالحة تقية ، وشهدت لها بذلك ضرتها السيدة عائشة رضي الله عنها فقالت :
( ولم أر امرأة قط خيراً في الدين من زينب ، وأتقى لله وأصدق حديثاً ، وأوصل للرحم وأعظم صدقة وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الذي يتصدق به ويتقرب به إلى الله عز وجل )
وكانت كذلك –كريمة خيرة تصنع بيديها ما تحسن صنعه ثم تتصدق به على المساكين .
ذكرها أم سلمة – رضي الله عنها – فترحمت عليها وذكرت ما كان بينها وبين عائشة ( الغيرة المعروفة بين الضرائر ) ثم قالت :
( كانت زينب لرسول الله صلى الله عليه وسلم معجبة وكان يستكثر منها وكانت صالحة قوامة صوامة صناعاً وتتصدق على المساكين .
روت السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم .
( أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً ).
وقالت :
(فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم نمدُّ أيدينا في الجدار نتطاول ، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش ولم تكن بأطولنا ، فعرفنا حينئذ أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد طول اليد بالصدقة وكانت زينب امرأة صَناع اليدين تدبغ وتخرز وتتصدق في سبيل الله ) .

وفاتها
توفيت سنة عشرين للهجرة وقيل سنة إحدى وعشرين ودفنت في البقيع .
وصلى عليها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – فكانت أول من مات من نساء النبي صلى الله عليه وسلم بعده .

صلاح 1985
31-10-2004, 06:30
أم سلمة المخزومية
هي هند بنت سهيل المعروف بأبي أمية بن المغيرة، أم سلمة ( ويقال أن اسم جدها المغيرة هو حذيفة، ويعرف بزاد الركب) . . وهي قرشية مخزومية ، وكان جدها المغيرة يقال له : زاد الركب ، وذلك لجوده ، حيث كان لا يدع أحدا يسافر معه حامل زاده، بل كان هو الذي يكفيهم. أحد أجود أجواد قريش المشهورين بالكرم . وقد تزوجها أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، وهي من أكمل النساء عقلا وخلقا وهي من السابقات إلى الإسلام ، هاجرت مع أبي سلمة إلى أرض الحبشة ،وولدت له ((سلمة)) ورجعا إلى مكة، ثم هاجرا معه إلى المدينة. فولدت له أيضا ابنتين وابنا ، وكانت أول امرأة مهاجرة تدخل المدينة. ومات أبو سلمة في المدينة من أثر جرح في غزوة أحد بعد أن قاتل قتال المخلصين المتعشقين للموت والشهادة .

زواجها

عندما انقضت عدتها بعث إليها أبو بكر يخطبها فلم تتزوجه ورفضت برفق ثم تقدم إليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه فردته برفق أيضا، ثم بعث إليها النبي صلى الله عليه وسلم وخطبها إشفاقا عليها ورحمة بأيتامها أبناء وبنات أخيه من الرضاعة . فقالت له: مثلي لا يصلح للزواج ، فأني تجاوزت السن ، فلا يولد لي، وأنا امرأة غيور، وعندي أطفال ، فأرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم خطابا يقول فيه : أما السن فأنا أكبر منكِ ، وأما الغيرة فيذهبها الله ، وأما الأولياء فليس أحد منهم شاهدِ ولا غائب إلا أرضاني. فأرسلت أم سلمة أبنها عمر بن أبي سلمة ليزوجها بالرسول صلى الله عليه وسلم. ولما تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم . أم سلمة حزنت عائشة رضي الله عنها حزنا شديدا لما ذكروا لها من جمال أم سلمة وقالت لما رأتها : والله أضعاف ما وصفت لي في الحسن والجمال . وكان رسول الله إذا صلى العصر دخل على نسائه فبدأ بأم سلمة وكان يختمها بعائشة رضي الله عنهن .

سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الأسفار وأخذ معه صفية بنت حيي وأم سلمة فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هودج صفية ، وهو يظن أنه هودج أم سلمة ، وكان ذلك اليوم يوم أم سلمة فجعل النبي عليه الصلاة والسلام يتحدث مع صفية . فغارت أم سلمة وعلم الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت له: تتحدث مع ابنة اليهودي في يومي وأنت رسول الله استغفر لي فإنما حملني على هذه الغيرة .

ليست الغيرة مقصورة على نساء البشر العاديين بل تشمل نساء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما عرفنا عن أمهات المؤمنين رضي الله عنهن جميعاً وليس في ذلك غضّ من شأن المرأة أو احترامها لأن هذه هي طبيعتها السويّة . لكن ليس من الغيرة السوّية حَوك المؤامرات للضرة والإيقاع بها ليبقى الزوج لها وحدها .

صفاتها وأخلاقها

كانت أم سلمة تتمتع بمنزلة عالية في البيت النبوي فقد أبت على ( عمر ) أن يتكلم في مراجعة أمهات المؤمنين لزوجهن الرسول صلى الله عليه وسلم وقالت له منكرة :
( عجباً لك يابن الخطاب ، قد دخلت في كل شئ ، حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله وأزواجه ! )
قال عمر : ( فأخذتني أخذاً كسرتني به عن بعض ما كنت أجد )
وما قالت كلمتها هذه إلا وهي مُدِلةٌ بمكانتها عند النبي صلى الله عليه وسلم وفي بيته .

أم سلمة صاحبة الرأي والمشورة

في العام السادس للهجرة صحبت أم سلمة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم في رحلته معتمراً . لكن قريشاً رفضت دخول المسلمين ذلك العام وتم عهد الحديبية . فتضايق المسلمون من شروط هذا العهد لاعتقادهم أنه بخسهم حقهم فوثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فسأله .
أليس برسول الله؟
أولسنا بالمسلمين ؟
أوليسوا بالمشركين؟
فيجيب أبو بكر في كل مره بلى .
قال عمر : فعلام نُعطي الدنية في ديننا ؟
فحذره أبو بكر ثم قال :
إني أشهد أنه رسول الله .
قال عمر : ( وأنا أشهد أنه رسول الله ) .
ثم أتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم فسأله مثل ما سأل أبا بكر حتى إذا بلغ قوله :
فعلام نعطي الدنية في ديننا ؟
أجابه عليه السلام :
أنا عبد الله ورسوله ، ولن أخالف أمره ، ولن يضيعني . ( السيرة النبوية )

ثم آمر أصحابه وقال لهم : قوموا فانحروا ثم حلقوا . فلم يقم منهم رجل بعد أن قال ذلك ثلاث مرات . فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت له أم سلمة : يا نبي الله أتحب ذلك اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك . فقام عليه الصلاة و السلام فخرج فلم يكلم أحدا منهم كلمة فنحر بدنته و دعا حالقه فحلقه ، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا .[ كناية عن سرعة المبادرة في الفعل ]

وفاتها

ماتت السيدة أم سلمة رضي الله عنها في شوال سنة تسع وخمسين وهي بنت أربع وثمانين سنة وقيل ماتت في ذي القعدة . وصلى عليها أبو هريرة رضي الله عنه زمن الوليد بن عتبة بن أبي سفيان والي المدينة ( قيل بأنها أوصت إلا يصلي عليها الوليد بن عتبة ) ودفنت بالبقيع . وقيل توفيت في ولاية يزيد بن معاوية ( وولي يزيد يوم الخميس لثمان بقين من رجب سنة ستين ) .

وتعد أم سلمة خير مثال يجب على أمهات وزوجات اليوم الاحتذاء به من خلال تربيتها لأولادها التربية الأخلاقية الكريمة. وكانت خير زوجة وأم صالحة، تملك العقل الراجح ، والشخصية القوية، وكانت قادرة على اتخاذ قراراتها بنفسها، وتتسم شخصيتها بحسن الأخلاق والأدب وهذا ما يندر في كثير من الأمهات والزوجات في وقتنا الحالي. كالعناية بالزوج، والنظر في أمور الأطفال، ومساعدة الزوج في أصعب الأوقات، وتقدير حال زوجها . كل هذا نفتقده في أمهات وزوجات اليوم، وذلك لاستهتارهن بأمور تربية الأطفال ، وإهمال الزوج وعدم رعايته، ومبالغتهن واهتمامهن بأمور الدنيا والتي غالبا ما تكون زائفة لا معنى لها .

صلاح 1985
31-10-2004, 06:34
عائشة بنت أبي بكر الصديق
أم المؤمنين ،بنت الإمام الصديق الأكبر ، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر بن قُحافة . هاجر بعائشة أبوها ، وتزوجها نبي الله صلى الله عليه وسلم قبل مُهاجره بعد وفاة الصديقة خديجة بنت خويلد وذلك قبل الهجرة ببضعة عشر شهراً ، ودخل بها في شوّال سنة اثنتين مُنصرفة عليه الصلاة والسلام من غزوة بدر . وهي ابنةُ تسع . فروت عنه علماً كثيراً طبياً مباركاً فيه .مسند عائشة يبلغ ألفين ومئتين و عشرة أحاديث .
- عائشة ممن وُلد في الإسلام ، وهي أصغر من فاطمة بثماني سنين . وكانت تقول : لم أعقل أبويَّ إلا وهما يدينان الدين .
- وكانت امرأة بيضاء جميلة . ومن ثم يُقال لها : الحُميراء . ولم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم بكراً غيرها ، ولا أحب امرأة حُبها ، ولا أعلمُ في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، بل ولا في النساء مطلقاً امرأة أعلم منها ،زوجة نبينا صلى الله عليه وسلم في الدنيا و الآخرة .
-عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(( رأيتُك في المنام ثلاث ليال ، جاء بك الملك في سرقة من حرير ، فيقول : هذه امرأتك فأكشف عن وجهك فإذا أنت فيه ، فأقول : إن يك هذا من عند الله يُمضه )).
وكان تزويجه صلى الله عليه وسلم بها إثر وفاة خديجة ، فتزوج بها وبسودة في وقت واحد ، ثم دخل بسودة ، فتفرد بها ثلاثة أعوام حتى بنى بعائشة في شوال بعد وقعة بدر فما تزوج بكراً سِواها ، و أحبها حباً شديداً كان يتظاهر به ، بحيث أن عمرو بن العاص ، وهو ممن أسلم سنة ثمان من الهجرة ، سأل النبي صلى الله عليه وسلم ، أي الناس أحب إليك يارسول الله ؟ قال : (( عائشة )) قال : فمن : الرجال ؟ قال : أبوها .
- عن أبي موسى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : (( كمُل من الرِّجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مَريم بنتُ عمران ، و آسية امرأةُ فرعون ، وفضلُ عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام )) .
- عن الزُهري : حدثني أبو سلمة ، أن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يا عائشة ، هذا جبريل ، وهو يقرأ عليكِ السلام ))، قالت : وعليه السلام ورحمة الله ، تَرى مالا نرى يارسول الله .
- عن عائشة قالت : تزوجني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مُتوفى خديجة ، و أنا ابنة ستِّ ، و أُدخلت عليه و أنا ابنةُ تسع ، جاءني نسوة و أنا ألعبُ على أُرجوحة فهيأنني وصنعنني ، ثم أتين بي إليه صلى الله عليه وسلم .
- عن عائشة قالت : لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم على باب حجرتي ، و الحبشة يلعبون بالحِراب في المسجد ، و إنه ليستُرني بردائه لكي أنظُر إلى لعبهم ، ثم يَقف من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرفُ . فأقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو .
- عن عائشة قالت : قلت : يارسول الله ، أرأيت لو أنك نزلت وادياً فيه شجرة قد أكل منها ووجدت شجرة لم يُؤكل منها ، فأيّهما كنت تُرتع بعيرك ؟ قال : (( الشجرة التي لم يُؤكل منها )) ، قالت : فأنا هي . تعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكراً غيرها .
- عن عائشة ، قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ، حتى إذا كُنا بالبيداء أو بذات الجيش ، انقطع عقدي ، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه ، و أقام الناسُ معه وليسوا على ماء . فأتى الناسُ أبا بكر رضي الله عنه فقالوا: ماترى ما صنعت عائشة ، أقامت برسول الله وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء !قالت : فعاتبني أبو بكر ، فقال ماشاء الله أن يقول ، وجعل يطعن بيده في خاصرتي ، فلا يمنعني من التحرك إلا مكانُ النبي صلى الله عليه وسلم على فخذي . فنام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء ، فأنزل الله آية التيمم ، فتيمموا ،فقال أسيد بن حُضير - وهو أحد النقباء - : ماهذا بأول بركتكم يا آل أبي بكر !قالت : فبعثنا البعير الذي كنت عليه ، فوجدنا العقد تحته .
- عن عائشة ، قالت : كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُعطيني العَظم فأتعرقُهُ ، ثم يأخذُه فيُديرُه حتى يَضع فاه على موضع فمي .
- عن أبي موسى قال : ما أشكل علينا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حديثٌ قط فسألنا عائشة ، إلا وجدنا عندها منه علماً .
- عن ابن أبي مُليكة : أن ذكوان : أبا عمرو حدثه قال : جاء ابنُ عباس رضي الله عنهما يستأذنُ على عائشة ، وهي في الموت . قال : فجئت وعند رأسها عبدُ الله ابن أخيها عبد الرحمن ، فقلتُ : هذا ابنُ عباس يستأذن ،قالت : دَعني من ابن عباس ، لا حاجة لي به ، ولا بتزكيته . فقال عبد الله : يا أمَّه ، إن ابن عباس من صالحي بَنيك ، يودعك و يسلم عليك، قالت: فائذن له إن شئت ،قال : فجاء ابنُ عباس ، فلما قعد قال : أبشري ، فوالله ما بينك و بين أن تُفارقي كل نَصَب ، وتَلقي مُحمداً صلى الله عليه وسلم و الأحبة إلا أن تُفارق روحُك جسدك ،
قالت : إيهاَ يا ابن عباس ! قال : كُنت أحبَّ نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني إليه - ولم يكن يُحبُّ إلا طيِّباً ، سقطت قِلادتك ليلةَ الأبواء ، و أصبح رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ليلتقطها ، فأصبح الناسُ ليس معهم ماء ، فأنزل الله (( فتيمموا صَعيداً طيباً )) ، فكان ذلك من سببك ، وما أنزل اللهُ بهذه الأمة من الرُّخصة ، ثم أنزل الله تعالى براءتك من فوق سبع سماوات ، فأصبح ليس مَسجد من مَساجد يُذكر فيها الله إلا براءتُك تُتلى في آناءَ الليل و النهار.
- عن أبي الضُّحى ،عن مسروق قال : قلنا له : هل كانت عائشة تُحسِنُ الفرائضَ ؟ قال : والله لقد رأيتُ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الأكابر يَسألونَها عن الفرائض .
- عن هشام ، عن أبيه ، قال : لقد صَحبتُ عائشَةَ ، فما رأيتُ أحداً قطُ كان أعلمَ بآية أنزلت ، ولا بفريضة ، ولا بسُنة ، ولا بشعر ، ولا أروى له ، ولا بيوم من أيام العرب ، ولا بنسب ، ولا بكذا ، ولا بقضاء ، ولا طب ، منها ،فقلتُ لها : يا خالة ، الطبُّ من أين عُلِّمتِهِ ؟ فقالت : كنتُ أمرضُ فيُنعَتُ لي الشيءُ ، ويَمرضُ المريضُ فيُنعتُ له ، و أسمعُ الناسَ يَنعَتُ بعضهم لبعض ، فأحفظه .
- وقال الزُّهري : لو جُمعَ علمُ عائشة إلى علم جميع النساء ، لكان عِلم عائشة أفضل .
- عن عطاء : أن معاويةَ بعث إلى عائشة بقِلادة بمئة ألف ، فقسمتها بين أمهات المؤمنين .
- عن عروة ، عن عائشة أنها تصدقت بسبعين ألفاً ، و إنها لترقَعُ جانِبَ درعها ، رضي الله عنها .
- عن أم ذرة ، قالت : بعث ابنُ الزُبير إلى عائشة بمال في غِرارتين ، يكون مئة ألف ، فَدَعت بطبق ، فجعلت تقسم في الناس ، فلما أمست ، قالت :هاتي ياجاريةُ فُطوري ،فقالت أُمُّ ذَرَّة : يا أُمَّ المؤمنين أما استطعتِ أن تشتري لنا لحماً بدرهم ؟ قالت :لا تُعنفيني ، لو أذكرتيني لفعلت .
- عن شعبة : أخبرنا عبدُ الرحمن بن القاسم ، عن أبيه : أن عائشة كانت تَصُومُ الدهر .
- تُوفين سنة سبع وخمسين .
- عن قَيس ، قال : قالت عائشة ، وكان تُحدث نفسها أن تُدفن في بيتها : إني أحدثتُ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثاً ، ادفنوني مع أزواجه . فدُفنت بالبقيع ، رضي الله عنها . قلتُ : تعني بالحدث : مَسيرَها يوم الجمل ، فإنها نَدِمت ندامةً كُلِّيَّة ، و تابت من ذلك ، على أنها مافعلت ذلك إلا مُتأوِّلة قاصدة للخير ، كما اجتهد طلحة بن عُبيد الله ، و الزُبير بن العوام ، وجماعة من الكبار ، رضي الله عن الجميع .
ومدةُ عمرها : ثلاث و ستون سنة و أشهر

صلاح 1985
31-10-2004, 06:44
فاطمة بنت الخطاب
اسمها ونسبها ( رضي الله عنها ):
هي فاطمة بنت الخطاب بن نفيل بن عبد العزى القرشية العدوية ، ولقبها أميمة، و كنيتها أم جميل. وأمها حنتمة بنت هاشم بن المغيرة القرشية المخزومية. وهي أخت أمير المؤمنين، وثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب (رضي الله عنهما)،وزوجة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي، أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة. وقيل إنها ولدت لسعد بن زيد ابنه عبد الرحمن.

صفاتها( رضي الله عنها ):
فاطمة بنت الخطاب(رضي الله عنها) صحابية جليلة، اتسمت بعدد من المزايا؛ منها أنها كانت شديدة الإيمان بالله تعالى وشديدة الاعتزاز بالإسلام، طاهرة القلب، راجحة العقل، نقية الفطــرة، من السابقات إلى الإسلام، أسلمت قديماً مع زوجها قبل إسلام أخيهـا عمـر( رضي الله عنه)، وكانت سبباً في إسلامه. كما أنها بايعت الرسول- صلى الله عليه وسلم- فكانت من المبايعات الأول.

دور فاطمة في قصة إسلام أخيها عمر ( رضي الله عنهما ):
عرف عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) بعداوته تجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل إسلامه، فقد خرج عمر (رضي الله عنه) في يوم من الأيام قبل إسلامه متوشحاً سيفه عازماً على قتل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم)، فلقيه نعيم بن عبد الله، ورأى ما هو عليه من حال " فقال: أين تعمد يا عمر؟ قال: أريد أن أقتل محمداً. قال: كيف تأمن من بني هاشم ومن بني زهرة وقد قتلت محمدا ً؟ فقال عمر: ما أراك إلا قد صبوت، وتركت دينك الذي كنت عليه. قال: أفلا أدلك على العجب يا عمر! إن أختك وختنك قد أسلما، وتركا دينك الذي أنت عليه.” فلما سمع عمر ذلك غضب أشد الغضب، واتجه مسرعاً إلى بيت أخته فاطمة(رضي الله عنها)، فعندما دنا من بيتها سمع همهمة، فقد كان خباب يقرأ على فاطمة وزوجها سعيد (رضي الله عنهما) سورة "طـــه"،فلما سمعوا صوت عمر (رضي الله عنه) ، أخفت فاطمة (رضي الله عنها) الصحيفة، وتوارى خباب في البيت، فدخل وسألها عن تلك الهمهمة،فأخبرته أنه حديث دار بينهم. " فقال عمر- رضي الله عنه: فلعلكما قد صبوتما، وتابعتما محمداً على دينه! فقال له صهره سعيد: يا عمر أرأيت إن كان الحق في غير دينك"،عندها لم يتمالك عمر نفسه، فوثب على سعيد فوطئه، ثم أتت فاطمة مسرعة محاولة الذود عن زوجها،ولكن عمر (رضي الله عنه) ضربها بيده ضربة أسالت الدم من وجهها ، بعدها" قالت فاطمة (رضي الله عنه): يا عمر إن الحق في غير دينك، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله". فعندما رأى عمر ما قد فعله بأخته ندم وأسف على ذلك، وطلب منها أن تعطيه تلك الصحيفة، فقالت له فاطمة (رضي الله عنها) وقد طمعت في أن يسلم:" إنك رجل نجس ولا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل، فقام مفعل ثم أخذ الكتاب فقرأ فيه: ( بسم الله الرحمن الرحيم. طه. ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. إلا تذكرة لمن يخشى. تنزيل ممن خلق الأرض والسموات العلى. الرحمن على العرش استوى...) فقال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! ...، دلوني على محمد". فلما سمع خباب خرج من مخبئه مسرعا إلى عمر وبشره وتمنى أن تكون فيه دعوة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حيث قال: " اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هاشم" 8 .
وكان الرسول- صلى الله عليه وسلم - حينها في دار الأرقم، فخرج عمر (رضي الله عنه) متجهاَ إلى تلك الدار، وقد كان متوشحاً سيفه، فضرب الباب، فقام أحد صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ونظر من الباب فرأى عمر وما هو عليه، ففزع الصحابي ورجع مسرعاً إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأخبره بما رأى، " فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لحمزة بن عبد المطلب ( رضي الله عنه): فأذن له فإن كان جاء يريد خيراً بذلناه له، وإن كان يريد شراً قتلناه بسيفه. فأذن له ونهض إليه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى لقيه بالحجرة فأخذ مجمع ردائه ثم جبذه جبذة شديدة وقال: ما جاء بك يا ابن الخطاب فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة. فقال عمر:" يا رسول الله جئتك لأومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله" ، فلما سمع الرسول الكريم ذلك كبر تكبيرة عرف أهل البيت من صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن عمر قد أسلم.
لقد كان ذلك الموقف أحد أروع المواقف الإسلامية في تاريخ الحياة الإسلامية، وفيه يعود الفضل لفاطمة بنت الخطاب (رضي الله عنها) وثباتها على دينها، ودعوتها الصادقة لأخيها، الذي كانت البلاد بأجمعها تخاف من بطشه في جاهليته، ولكنها لم تخشاه قط، بل أصرت على موقفها، وكانت سبباً في إسلامه (رضي الله عنه)، وبذلك تحققت فيه دعوة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم).

رواية فاطمة بنت الخطاب رضي الله عنها للحديث :
"روى الواقدي عن فاطمة بنت مسلم الأشجعية، عن فاطمة الخزاعية، عن فاطمة بنت الخطاب- أنها سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم يقول:" لا تزال أمتي بخير ما لم يظهر فيهم حب الدنيا في علماء فساق، و قراء جهال، و جبابرة؛ فإذا ظهرت خشيت أن يعمهم الله بعقاب"2
وبمراجعة الحديث الشريف السابق نجد فيه إشارة إلى خطورة العلماء في المجتمع ، وما يمكن أن يصنعوه من خير وتقدم إن كانوا صالحين أتقياء ، وما يجلبونه من شر وويل على الأمة إن كانوا فاسقين عصاة ، تعلقت قلوبهم بحب الدنيا ومتاعها ؛ذلك لأنهم يشكلون نخبة المجتمع وصفوته ، وبصلاحهم يصلح المجتمع ، وبفسادهم يفسد المجتمع.

مما كتب في فاطمة بنت الخطاب من شعر :
كتب عمر بن الخطاب في أخته فاطمة أبياتاً من الشعر، يصف فيها صبرها واحتسابها إلى ربها، حينما عارض عمر اعتناقها للإسلام، وذلك قبل دخوله (رضي الله عنه للإسلام):
الحمـــد لله ذي المـــــن الــذي وجبــــت لــه علينـــــا أيـــــاد مــا لــهـــا غـيــــر

وقــــد بدأنـــــا فكـــذبنــــا فقـــال لنـــا صـــدق الحـديــث نبـــي عنـــده الخـبـــر

وقــد ظلمــت ابنــة الخطـــاب ثم هـــدى ربي عشيــة قالــــوا: قــد صبـــا عمـــــــر

وقــد نـدمـــت على مــا كــــان مـن زلـل بظلمــهـا حـــين تتـــلى عندهــا الســـــور

لـمـا دعــــت ربـها ذا العــرش جــــاهدة والـدمـــع مـن عينـــها عجــــلان يبتــــدر
أيقنـــت أن الــذي تدعــــــوه خالقـــــها فكـــــاد تسبـــــــقني مــن عبـــــــــرة درر

فقــلـت: أشهـــــــد أن الله خــالقــــنـــا وأن أحمــــــد فينــــــا اليــــــوم مشتـــهر

نبـي صـــــدق أتـى بالحــق من ثقـــــــــة وافــــي الأمـانـــة مــــا في عـــوده خــــور.

dentist
01-11-2004, 11:44
موضوع رائع صلاح
بل هو موسوعة
استمر صلاحو في سرد قصص العظيمات
و الموضوع مثبت

صلاح 1985
02-11-2004, 02:01
شكرا لك دينتيست على هذه الثقة الجميلة
وأتمنى من الله ان يوفقني وإياكم لكل ما هو مفيد
شكرا لك من جديد

صلاح 1985
03-11-2004, 04:12
الشيماء-أخت رسول الله من الرضاعة

الشيماء بنت الحارث السعدية ، امرأة بدوية من بني سعد .
- وهي ابنة حليمة السعدية التي كانت من بين مراضع بني سعد حين انطلقن إلى مكة يلتمسن الأطفال لإرضاعهم ، فلم يطل مكثها بمكة حتى عادت تحمل معها طفلاً ، ولم يكن هذا الطفل الرضيع سوى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم الذي أرضعته حليمة ، وطرحت البركة في كل ما عندها .
- وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحراء سنتين ترضعه حليمة ، وتحضنه ابنتها الشيماء بنت الحارث بن عبدا لعزى بن رفاعة السعدية أخت الرسول صلى الله عليه وسلم – من الرضاعة.
- وقد كان عليه الصلاة والسلام يخرج مع أولاد حليمة إلى المراعي ، وأخته الشيماء تحضنه وتراعيه ، فتحمله أحياناً إذا اشتد الحر ، وطال الطريق ، وتتركه أحياناً يدرج هنا وهناك ، ثم تدركه فتأخذه بين ذراعيها وتضمه إلى صدرها ، وأحياناً تجلس في الظل ، فتلعبه وتقول :
يا ربنــــا أبق لنا محمداً..................حتى أراه يافـــعاً وأمـــردا
ثم أراه سيداً مســــــــــــوداً................واكبت أعاديه معاً والحسدا
*وأعطه عزاً يدوم أبداً*
-قال محمد بن المعلى الأزدي : وكان أبو عروة الأزدي إذا أنشد هذا يقول : ما أحسن ما أجاب الله دعاءها.
- وأقام النبي صلى الله عليه وسلم في بني سعد إلى الخامسة من عمره ينهل من جو البادية الطلق الصحة والنماء ، ويتعلم من بني سعد اللغة المصفاة الفصيحة. وقد تركت هذه السنوات الخمس في نفسه الكريمة أجمل الأثر وأبقاه ، وبقيت الشيماء وأهلها وقومها موضع محبته وإكرامه طوال حياته – عليه الصلاة والسلام.
- ذكر الإمام ابن حجر في الإصابة أن الشيماء لما كان يوم هوازن ظفر المسلمون بهم ، وأخذوا الشيماء فيمن أخذوا من السبي ، فلما انتهت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : يا رسول الله ، إني لأختك من الرضاعة. قال : وما علامة ذلك ، قالت : عضة عضضتها في ظهري ، وأنا متوركتك ، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم العلامة ، فبسط لها رداءه ، ثم قال لها : ههنا ، فأجلسها عليه ، وخيّرها ، فقال : إن أحببت فأقيمي عندي محببة مكرمة ، وإن أحببت أن أمتعك فارجعي إلى قومك ، فقالت : بل تمتعني وتردني إلى قومي ، فمتعها وردها إلى قومها.
- ولم يتوقف إكرام النبي صلى الله عليه وسلم للشيماء عند هذا فحسب ، بل شمل ذلك بني سعد جميعهم ، ومعلوم أن بني سعد من هوازن ، وذلك أنه لما انتصر عليهم يوم حنين وغنم أموالهم ونسائهم وذراريهم ، عند ذلك جاءه وفد هوازن بالجعرانة وقد أسلموا، فقالوا : يا رسول الله ، إنا أصل وعشيرة ، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فامنن علينا من الله عليك. وقام خطيبهم زهير بن صرد أبو صرد فقال : يا رسول الله ، إنما في الحظائر من السبايا خالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك ، ولو أنك ملحنا لابن أبي شمر أو النعمان بن المنذر ، ثم أصابنا منها مثل الذي أصابنا منك ، رجونا عائدتهما وعطفهما وأنت رسول الله خير المكفولين ، ثم أنشأ يقول :
امنن علينا رسول الله في كرم.....................فإنك المرء نرجوه وننتظر
امنن على بيضة قد عاقها قدر....................ممزق شملها في دهرها غير
أبقت لنا الدهر هتافاً على حزن.................على قلوبهم الغمّاء والغمر
يا خير طفل ومولود ومنتجب .................في العالمين إذا ماحصل البشر
إن لم تدراكها نعماء تنشرهـــــا...........ياأرجح الناس حلماً حين يختبر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها................إذ فوك تملؤه من مخضهاالدرر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها.................وإذ يزينك ما تأتي وما تذر
لا تجعلنا كمن شالت نعامتــــــه.............. واستبق منا فإنا معشر زهر
إنا لنشكر آلاء وإن كفـــــرت................ وعندنا بعد هذا اليوم مدخر
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (نساؤكم وأبناؤكم أحب إليكم أم أموالكم) ؟ فقالوا: يا رسول الله ، خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا ، بل أبناؤنا ونساؤنا أحب إلينا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أما ما كان ولي ولبني عبد المطلب فهو لكم ، وإذا أنا صليت بالناس فقوموا فقولوا : إنا نستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين ، وبالمسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبنائنا ونسائنا ، فإني سأعطيكم عند ذلك ، وأسأل لكم)، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر قاموا فقالوا ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : (إما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم ) ، فقال المهاجرون : وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالت الأنصار : وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن كثير : ( ولقد كان هذا سبب إعتاقهم عن بكرة أبيهم ، فعادت فواضله عليه الصلاة والسلام قديماً وحديثاً ، خصوصاً وعموماً).

صلاح 1985
03-11-2004, 04:27
سودة بنت زمعة ..زوجة رسول اللهأول

امرأة تزوجها الرسول بعد خديجة

وبها نزلت آية الحجاب

اسمها ونسبها:
هي أم المؤمنين سوده بنت زمعة بن قيس بن عبد ود ابن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي القرشية العامرية، وأمها الشمّوس بنت قيس بن زيد بن عمر الأنصارية

إسلامها:
كانت سيدة جليلة نبيلة ضخمة، من فوا ضل نساء عصرها. كانت قبل أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت ابن عم لها يقال له: السكران بن عمرو، أخي سهيل بن عمرو العامري. ولما أسلمت بايعت النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم معها زوجها السكران وهاجرا جميعاً إلى أرض الحبشة، وذاقت الويل في الذهاب معه والإياب حتى مات عنها وتركها حزينة مقهورة لا عون لها ولا حرفة وأبوها شيخ كبير
زواجها:
في حديث لعائشة عن خولة بنت حكيم، أن خولة بنت حكيم السلمية رفيقة سودة في الهجرة إلى الحبشة وزوجها عثمان بن مظعون لما عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها: أنها صغيرة ويريد من هي أكبر سناً لتدبير شؤون بيته ورعاية فاطمة الزهراء.
فعرضت الزواج من سوده بنت زمعة، فهي امرأة كبيرة وواعية، رزان ومؤمنة، وأن جاوزت صباها وخلت ملامحها من الجمال. ولم تكد خولة تتم كلامها حتى أثنى عليها الرسول صلى الله عليه وسلم- فأتى فتزوجها.
تزوج النبي صلى الله عليه وسلم- بسودة ولديها ستة أبناء وكان زواجها في رمضان في السنة العاشرة من النبوة، بعد وفاة خديجة بمكة، وقيل: سنة ثمانية للهجرة على صداق قدره أربعمائة درهم، وهاجر بها إلى المدينة.
فضلها :
تعد سودة – رضي الله عنها - من فواضل نساء عصرها، أسلمت وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم ، وهاجرت إلى أرض الحبشة. تزوج بها الرسول صلى الله عليه وسلم وكانت إحدى أحب زوجاته إلى قلبه، عرفت بالصلاح والتقوى، روت عن النبي أحاديث كثيرة وروى عنها الكثير. ونزلت بها آية الحجاب، فسجد لها ابن عباس. وكانت تمتاز بطول اليد، لكثرة صدقتها حيث كانت امرأة تحب الصدقة.

صفاتها:-
لما دخلت عائشة رضي الله عنها بيت الرسول صلى الله عليه وسلم زوجة محبوبة تملأ العين بصباها ومرحها وذكائها، شاءت سودة أن تتخلى عن مكانها في بيت محمد صلى الله عليه وسلم فهي لم تأخذ منه إلا الرحمة والمكرمة، وهذه عائشة يدنيها من الرسول المودة والإيثار والاعتزاز بأبيها، وملاحة يهواها الرجل.
وقد أنس الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بمرحها وصباها في بيته فانقبضت سودة وبدت في بيت زوجها كالسجين، ولما جاءها الرسول صلى الله عليه وسلم يوماً وسألها إن كانت تريد تسريحاً، وهو يعلم أن ليس لها في الزواج مأرب إلا الستر والعافية وهما في عصمة الرسول ونعمة الله، قالت سودة وقد هدأت بها غيرة الأنثى: يا رسول الله مالي من حرص على أن أكون لك زوجة مثل عائشة فأمسكني، وحسبي أن أعيش قريبة منك، أحب حبيبك وأرضى لرضاك.
ووطدت سوده نفسها على أن تروض غيرتها بالتقوى، وأن تسقط يومها لعائشة وتؤثرها على نفسها، وبعد أن تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم بحفصة بنت عمر جبراً لخاطرها المكسور بعد وفاة زوجها وسنها لم يتجاوز الثامنة عشر، هانت لدى سودة الحياة مع ضرتين ندتين كلتاهما تعتز بأبيها، ولكنها كانت أقرب لعائشة ترضيها لمرضاة زوجها.


وكانت سوده ذات أخلاق حميدة، امرأة صالحة تحب الصدقة كثيراً، فقالت عنها عائشة – رضي الله عنها -: اجتمع أزواج النبي عنده ذات يوم فقلن: يا رسول الله أيّنا أسرع بك لحاقاً؟ قال: أطولكن يداً، فأخذنا قصبة وزرعناها؟ فكانت زمعة أطول ذراعاً فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفنا بعد ذلك أن طول يدها كانت من الصدقة.

عن هشام، عن ابن سيرين: أن عمر رضي الله عنه- بعث إلى سودة بفرارة دراهم، فقالت: في الغرارة مثل التمر، يا جارية: بلغيني الفتح، ففرقتها.

أعمالها:-
روت سودة – رضي الله عنها- خمسة أحاديث، وروى عنها عبدالله بن عباس ويحيى بن عبدالله بن عبد الرحمن بن سعدين زاره الأنصاري. وروى لها أبو داود والنسائي وخرج لها البخاري.



وفاتها:
توفيت سودة في آخر زمن عمر بن الخطاب، ويقال إنها توفيت بالمدينة المنورة في شوال سنة أربعة وخمسون، وفي خلافة معاوية. ولما توفيت سوده سجد ابن عباس فقيل له في ذلك؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إذا رأيتم آية فاسجدوا" ، فأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.

صلاح 1985
03-11-2004, 06:15
زينب بنت خزيمة الهلالية

أم المساكين رضي الله عنها


أول من دفن من أمهات المؤمنين في المدينة.


اسمها ولقبها:

هي زينب بنت خزيمة الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية، ولم يختلف المؤرخون في نسبها من جهة أبيها كما صرح ابن عبد البر في ترجمتها بالاستيعاب بعد سياق نسبها، وهو ما أجمعت عليه مصادرنا لترجمتها أو نسبها ، وأما من جهة أمها فأغفلته مصادرنا، ونقل ابن عبد البر فيها قول أبى الحسن الجرجاني النسابة ، وكانت زينب بنت خزيمة أخت ميمونة بنت الحارث – أم المؤمنين – لأمها وكانت تدعى في الجاهلية – أم المساكين – واجتمعت المصادر على وصفها بالطيبة والكرم والعطف على الفقراء والمساكين في الجاهلية والإسلام ، ولا يكاد اسمها يذكر في أي كتاب إلا مقرونا بلقبها الكريم -أم المساكين .

زواجها من الرسول :

زينب بنت خزيمة هي إحدى زوجات النبي والتي لم يمض على دخول حفصة البيت المحمدي وقت قصير حين دخلته أرملة شهيد قرشي من المهاجرين الأولين فكانت بذلك رابعة أمهات المؤمنين. ويبدو أن قصر مقامها ببيت الرسول قد صرف عنها كتاب السيرة ومؤرخي عصر المبعث فلم يصل من أخبارها سوى بضع روايات لا تسلم من تناقض واختلاف ، وزينب بنت خزيمة أرملة شهيد قرشي من المهاجرين الأولين هو عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، قتل عنها في بدر فتزوجها النبي سنة 3 هجرية، ويقال إنه كان زواجا شكليا، حيث إن الرسول -صلى الله عليه وسلم تزوجها - بدافع الشفقة.

واختلف فيمن تولى زواجها من النبي ففي الإصابة عن ابن الكلبي: أن رسول الله خطبها إلى نفسها فجعلت أمرها إليه فتزوجها ، وقال ابن هشام في السيرة : زوَّجه إياها عمها قبيصة بن عمرو الهلالي، وأصدقها الرسول أربعمائة درهم .

واختلفوا أيضا في المدة التي أقامتها ببيت النبي ، ففي الإصابة رواية تقول: كان دخوله بها بعد دخوله على حفصة بنت عمر،رضي الله عنها، ثم لم تلبث عنده شهرين أو ثلاثة وماتت " ، ورواية أخرى عن ابن كلبي تقول: ( فتزوجها في شهر رمضان سنة ثلاث، فأقامت عنده ثمانية أشهر وماتت في ربيع الآخر سنة أربع) . وفي شذرات الذهب: (وفيها- يعني السنة الثالثة- دخل بزينب بنت خزيمة العامرية، أم المساكين، وعاشت عنده ثلاثة أشهر ثم توفيت)، وكانت زينب بنت جحش- رضي الله عنها – أجودهن ؛ يعني أزواج النبي وأبرهن باليتامى والمساكين ، حتى كانت تعرف بأم المساكين ) .

وفاتـــها:

الراجح أنها ماتت في الثلاثين من عمرها كما ذكر "الواقدي" ونقل "ابن حجر" في الإصابة.ورقدت في سلام كما عاشت في سلام. وصلى عليها النبي عليه الصلاة والسلام، ودفنها بالبقيع في شهر ربيع الآخر سنة أربع ، فكانت أول من دفن فيه من أمهات المؤمنين -رضي الله عنهن. وقد ماتت بعد زواجها بثمانية أشهر – رضي الله عنها - ولم يمت منهن- أمهات المؤمنين - في حياته إلا غير السيدة خديجة أم المؤمنين الأولى- ومدفنها بالحجون في مكة- والسيدة زينب بنت خزيمة الهلالية، أم المؤمنين وأم المساكين.

صلاح 1985
03-11-2004, 06:20
أم كلثوم بنت رسول الله

اسمها ونسبها :

هي أم كلثـوم بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، و أمها السيدة خديجة أم المؤمنين- رضي الله عنها ، قيل إنها ولِدَت بعد فاطمة ، وأسلمت مع أمها وأخواتها مع بزوغ فجر الدعوة الإسلامية .


هجرتها :

هاجرت أم كلثوم مع أختها فاطمة الزهراء ، وزوجة الرسول سودة بنت زمعة، ثاني زوجاته بعد خديجة رضي الله عنها، بكل شوق وحنان إلى المدينة ، فاستقبلهن الرسول -صلى الله عليه وسلم، وأتى بهنّ إلى داره التي أعدّها لأهله بعد بناء المسجد النبوي الشريف .


زواجها:

تزوّجها عتيبة بن أبي لهب قبل البعثة ولم يدخل عليها ، وطلقها تنفيذا لرغبة أبي لهب، ولم يدخل بها، ولما توفيت شقيقتها رقيـة ، رضي الله عنهما، ومضت الأحزان والهموم ، زوّج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-أم كلثوم لعثمان بن عفان – رضي الله عنه في ربيع الأول سنة 3 للهجرة ، وكان هذا الزواج بأمر من الله تعالى ، فقد روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال :" أتاني جبريل فقال : إن الله يأمرك أن تزوج عثمان أم كلثوم على مثل صداق رقية وعلى مثل صحبتها" وأصبح عثمان بزواجه هذا، وبزواجه السابق من شقيقتها رقية يسمى بذي النورين ، وعاشت أم كلثوم عند عثمان ست سنوات ولكنها لم تلد له.


وفاتها:

توفيت أم كلثوم -رضي الله عنها- في شهر شعبان سنة تسع من الهجرة ، وقد جلس الرسول -صلى الله عليه وسلم- على قبرها وعيناه تدمعان حُزناً على ابنته الغالية أم كلثوم ، فقال:" هل منكم أحد لم يقارف الليلة " فقال أبو طلحة : " أنا " قال له الرسول " انزل " فنزل أبو طلحة في قبرها . رضي الله عنها وأرضاها. وفي مسند الإمام أحمد ‏حدثنا ‏ ‏عفان ‏ ‏حدثنا ‏ ‏حماد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏ثابت ‏ ‏عن ‏ ‏أنس ،‏‏أن ‏ ‏رقية ‏ ‏لما ماتت قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم:"‏ ‏لا يدخل القبر رجل قارف ‏أهله الليلة" ، وفي رواية أخرى في مسند أحمد أيضا- عن أنس أن ‏ ‏رقية ‏ ‏رضي الله عنها ‏ ‏لما ماتت قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏لا يدخل القبر رجل قارف‏ ‏أهله فلم يدخل ‏ ‏عثمان بن عفان ‏ ‏رضي الله عنه ‏ ‏القبر " وقد روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، أنه قال بعد وفاة أم كلثوم رضي الله عنها ، لو كان عندي ثالثة زوجتها عثمان " رضي الله عنه .

صلاح 1985
03-11-2004, 06:39
رقية بنت النبيولدت رقية بنت رسول الله الهاشمية، وأمها خديجة أم المؤمنين، ونشأت قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم.وقد استمدت رقية رضي الله عنها كثيراً من شمائل أمها، وتمثلتها قولاً وفعلاً في حياتها من أول يوم تنفس فيِه صبح الإسلام، إلى أن كانت رحلتها الأخيرة إلى الله عز وجل. وسيرة حياة السيدة رقية رضي الله عنها، تستوفي كل الكنوز الغنية بمكارم الفضائل ونفحات الإيمان، وهذه الكنوز التي تغني المرء عن الدراهم والدنانير، بل أموال الدنيا كلها، فسيرة السيدة رقية تجعل النفوس تحلق في أجواء طيبة، لا يستطيع أصحاب الأموال والدنيا الوصول إليها، ولو صرفوا الدنيا وما فيها، لأن من يتذوق طعم حياة لاالأبرار، يترفع عن الحياة التي لا تعرف إلا الدرهم والدينار.



زواجها رضي الله عنها من عُتبة

لم يمض على زواج زينب الكبرى غير وقت قصير، إلا وطرق باب خديجة ومحمد، وفد من آل عبد المطلب، جاء يخطب رقية وأختها التي تصغرها قليلاً لشابين من أبناء الأعمام وهما (عُتبة وعُتيبة) ولدا أبي لهب عم الرسول صلى الله عليه وسلم.

وأحست رقية وأختها انقباضاً لدى أمهما خديجة، فالأم تعرف من تكون أم الخاطبين زوجة أبي لهب، ولعل كل بيوت مكة تعرف من هي أم جميل بنت حرب ذات القلب القاسي والطبع الشرس واللسان الحاد. ولقد أشفقت الأم على ابنتيها من معاشرة أم جميل، لكنها خشيت اللسان السليط الذي سينطلق متحدثاً بما شاء من حقد وافتراء إن لم تتم الموافقة على الخطوبة والزواج، ولم تشأ خديجة أيضاً أن تعكر على زوجها طمأنينته وهدوءه بمخاوفها من زوجة أبي لهب وتمت الموافقة، وبارك محمد ابنتيه، وأعقب ذلك فرحة العرس والزفاف وانتقلت العروسان في حراسة الله إلى بيت آخر وجو جديد.



دعوة الرسول الناس إلى الإسلام

ودخلت رقية مع أختها أم كلثوم بيت العم، ولكن لم يكن مكوثهما هناك طويلاً فما كاد رسولنا محمد r يتلقى رسالة ربه، ويدعو إلى الدين الجديد، وراح سيدنا رسول الله، يدعو إلى الإسلام سراً، فاستجاب لله عز وجل من شاء من الرجال ومن النساء والولدان. ويبدو أن عمات رسول الله قد نصحنه ألا يدعو عمه أبا لهب لكيلا تثور هائجته، فلا يدري بما يتكلم، وحتى لا تنفث زوجته أم جميل سمومها في بنات النبي فقد كان أبو لهب وأولاده ألعوبة تتحكم فيهم أم جميل التي تنهش الغيرة قلبها إذا ما أصاب غيرها خير. وقد قام رسول الله بدعوة الناس إلى الإسلام وعندما علم أبو لهب بذلك أخذ يضحك ويسخر من رسول الله ثم رجع إلى البيت، وراح يروي لامرأته الحاقدة ما كان من أمر محمد ابن أخيه الذي أخبرهم أنه رسول الله إليهم؛ ليخرجهم من الظُلمات إلى النور وصراط العزيز الحميد، وشاركت أم جميل زوجها في سخريته وهزئه.



ولعب شيطان الحقد في نفسها، وأحست برغبة عنيفة في داخلها للانتقام من أقرب الناس إليها من رقية وأم كلثوم رضي الله عنهما، وإن كان هذا الانتقام سيؤذي ولديها، ولكنها مادامت ستفرغ كل حقد ممكن لديها، وتقيء كل عصارة كيدها في جوانب نفسها، فلا مانع من ذلك حتى تحطم بزعمها الدعوة المحمدية، وسلكت ضد سيدنا رسول الله أبشع السبل في اضطهاده، وزادت على ذلك أن أرسلت إلى أصهار رسول الله تطلب منهم مفارقة بنات الرسول، أما أبو العاص فرفض طلبهم مؤثرا ومفضلاً ً صاحبته زينب على نساء قريش جميعاً، وقد أمن في نهاية المطاف وجمع الله شمل الأحبة. وأما عُتبة وعُتيبة فلقد تكفلت أم جميل بالأمر دون أن تحتاج لطلب من أحد.



وطفقت أم جميل تنفث سمومها في كل مكان تكون فيه، ولم تكتف بكشف خبيئة نفسها الخبيثة، ولكنها راحت تزين للناس مقاومة الدعوة، واجتثاث أصولها؛لأنها تفرق بين المرء وأخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، وفصيلته التي تؤويه. ولما انتهت من طوافها، وهي تزرع بذور الفتنة، وتبغي نشر الحقد والفساد، راحت تجمع الحطب لتضعه في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم لتؤذيه، وفي هذا دليل على بخلها الذي جبلت عليه.

لاولكن القرآن الكريم تنزل على الحبيب المصطفى ندياً رطباً، ونزل القرآن عليه يشير إلى المصير المشؤوم لأم جميل بنت حرب، وزوجها المشؤوم أبي لهب، قال الله تعالى: )تبت يدا أبي لهب وتب *ما أغني عنه ماله وما كسب* سيصلى نارا ذات لهب* وامرأته حمالة الحطب * في جيدها حبلاً من مسد(. (المسد:1-5).

وكانت رقية وأم كلثوم في كنف ابني عمهما، لما نزلت سورة المسد،وذاعت في الدنيا بأسرها، ومشي بعض الناس بها إلى أبي لهب وأم جميل، اربدَّ وجه كل واحد منهما، واستبد بها الغضب والحنق، ثم أرسلا ولديهما عُتبة وعُتيبة وقالا لهما: إنَّ محمداً قد سبهما، ثم التف أبو لهب إلى ولده عتبة وقال في غضب: رأسي من رأسك حرام إن لم تطلق ابنة محمد؛ فطلقها قبل أن يدخل بها. وأما عُتيبة، فقد استسلم لثورة الغضب وقال في ثورة واضطراب: لآتين محمداً فلأوذينَّه في ربه. وانطلق عتيبة بن أبي لهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشتمه ورد عليه ابنته وطلقها، فقال رسول الله"اللهم سلط عليه كلباً من كلابك" واستجابت دعوة الرسول فأكل الأسد عُتيبة في إحدى أسفاره إلى الشام.
ولم يكفها أن ردت رقية وأم كلثوم مطلقتين، بل خرجت ومعها زوجها أبو لهب (الذي شذ عن الأعمام وآل هاشم، فقد جمع بين الكفر وعداوة ابن أخيه)، وسارت وإياه يشتمان محمداً، ويؤذيانه ويؤلبان الناس ضده، وقد صبر الرسول على أذاهم. وكذلك فعلت رقية وأختها، صبرتا مع أبيهما، وهما اللتان تعودتا أن تتجملا بالصبر قبل طلاقهما، لما كانت تقوم به أم جميل من رصد حركاتهما ومحاسبتهما على النظرة والهمسة واللفتة.



زواج رقية من عثمان:

شاءت قدرة الله لرقية أن ترزق بعد صبرها زوجاً صالحاً كريماً من النفر الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، ذلك هو (عثمان بن عفان) صاحب النسب العريق، والطلعة البهية، والمال الموفور، والخلق الكريم. وعثمان بن عفان أحد فتيان قريش مالاً، وجمالاً، وعزاً، ومنعةً، تصافح سمعه همسات دافئة تدعو إلى عبادة العليم الخبير الله رب العالمين. والذي أعزه الله في الإسلام سبقاً وبذلاً وتضحيةً، وأكرمه بما يقدم عليه من شرف المصاهرة، وما كان الرسول الكريم ليبخل على صحابي مثل عثمان بمصاهرته، وسرعان ما استشار ابنته، ففهم منها الموافقة عن حب وكرامة، وتم لعثمان نقل عروسه إلى بيته، وهو يعلم أن قريشاً لن تشاركه فرحته، وسوف تغضب عليه أشد الغضب. ولكن الإيمان يفديه عثمان بالقلب ويسأل ربه القبول.

ودخلت رقية بيت الزوج العزيز، وهي تدرك أنها ستشاركه دعوته وصبره، وأن سبلاً صعبة سوف تسلكها معه دون شك إلى أن يتم النصر لأبيها وأتباعه. وسعدت رقية رضي الله عنها بهذا الزواج من التقي النقي عثمان بن عفان رضي الله عنه، وولدت رقية غلاماً من عثمان فسماه عبد الله، واكتنى به.



رقية والهجرة إلى الحبشة:

ودارت الأيام لكي تختبر صدق المؤمنين، وتشهد أن أتباع محمد قد تحملوا الكثير من أذى المشركين، كان المؤمنون وفي مقدمتهم رقية وعثمان رضي الله عنهم في كرب عظيم، فكفار قريش ينزلون بهم صنوف العذاب، وألوان البلاء والنقمة،)وما نقموا بهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد( (البروج:8).ولم يكن رسول الله بقادر على إنقاذ المسلمين مما يلاقونه من البلاء المبين، وجاءه عثمان وابنته رقية يشكوان مما يقاسيان من فجرة الكافرين، ويقرران أنهما قد ضاقا باضطهاد قريش وأذاهم.

وجاء نفر آخرون ممن آمن من المسلمين، وشكوا إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ما يجدون من أذى قريش، ومن أذى أبي جهل زعيم الفجار.ثم أشار النبي عليهم بأن يخرجوا إلى الحبشة، إذ يحكمها ملك رفيق لا يظلم عنده أحد، ومن ثم يجعل الله للمسلمين فرجاً مما هم عليه الآن.



وأخذت رقية وعثمان رضي الله عنهما يعدان ما يلزم للهجرة، وترك الوطن الأم مكة أم القرى. ويكون عثمان ورقية أول من هاجر على قرب عهدهما بالزواج، ونظرت رقية مع زوجها نظرة وداع على البلد الحبيب. وتمالكت دمعها قليلاً، ثم صعب ذلك عليها، فبكت وهي تعانق أباها وأمها وأخواتها الثلاث زينب وأم كلثوم والصغيرة فاطمة، ثم سارت راحلتها مع تسعة من المهاجرين، مفارقة الأهل والأحباب، وعثمان هو أول من هاجر بأهله، ثم توافدت بعد ذلك بعض العزاء والمواساة، لكنها ظلت أبداً تنزع إلى مكة وتحن إلى من تركتهم بها، وظل سمعها مرهفاً يتلهف إلى أنباء أبيها الرسول . وصحبة الكرام. ولقد أثرت شدة الشوق والحنين على صحتها، فأسقطت جنينها الأول، وخيف عليها من فرط الضعف والإعياء، ولعل مما خفف عنها الأزمة الحرجة رعاية زوجها وحبة وعطف المهاجرين وعنايتهم.

وانطلق المهاجرون نحو الحبشة تتقدمهم رقية وعثمان، حتى دخلوا على النجاشي، فأكرم وفادتهم، وأحسن مثواهم، فكانوا في خير جوار،لا يؤذيهم أحد ويقيمون شعائر دينهم في أمن وأمان وسلام. وكانت رقية رضي الله عنها في شوق واشتياق إلى أبيها رسول الله وأمها خديجة، ولكن المسافة بعيدة، وإن كانت الأرواح لتلتقي في الأحلام.



وجاء من أقصى مكة رجل من أصحاب رسول الله، فاجتمع به المسلمون في الحبشة، وأصاخوا إليه أسماعهم حيث راح يقص عليهم خبراً أثلج صدورهم، خبر إسلام حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب، وكيف أن الله عز وجل قد أعز بهما الإسلام. واستبشر المهاجرون بإسلام حمزة وعمر، فخرجوا راجعين، وقلوبهم تخفق بالأمل والرجاء، وخصوصاً سيدة نساء المهاجرين رقية بنت رسول الله التي تعلق فؤادها وأفئدة المؤمنين بنبي الله محمد



العودة إلى مكة:

وصلت إلى الحبشة شائعات كاذبة، تتحدث عن إيمان قريش بمحمد، فلم يقو بعض المهاجرين على مغالبة الحنين المستثار، وسَرعان ما ساروا في ركب متجهين نحو مكة، ويتقدمهم عثمان ورقية، ولكن يا للخيبة المريرة، فما أن بلغوا مشارف مكة، حتى أحاطت بهم صيحات الوعيد والهلاك. وطرقت رقية باب أبيها تحت جنح الظلام، فسمعت أقدام فاطمة وأم كلثوم، وما أن فتح الباب حتى تعانق الأحبة، وانهمرت دموع اللقاء. وأقبل محمد نحو ابنته يحنو عليها ويسعفها لتثوب إلى السكينة والصبر، فالأم خديجة قد قاست مع رسول الله وآل هاشم كثيراً من الاضطهاد مع أنها لم تهاجر، وقد ألقاها المرض طريحة الفراش، لتودع الدنيا وابنتها ما تزال غائبة في الحبشة.

يتبع....

صلاح 1985
03-11-2004, 06:45
عودة رقية إلى الحبشة:

وعندما علمت قريش برجوع المؤمنين المهاجرين، عملت على إيذائهم أكثر من قبل، واشتدت عداوتهم على جميع المؤمنين، مما جعل أصحاب الرسول في قلق، ولكنهم اعتصموا بكتاب الله، مما زاد ضراوة المشركين وزاد من عذابهم. وراح الفجرة الكفرة، يشددون على المسلمين في العذاب، وفي السخرية حتى ضاقت عليهم مكة، وقاسى عثمان بن عفان من ظلم أقربائه وذويه الكثير. ولكن عثمان صبر وصبرت معه رقية مما جعل قريش، تضاعف وجبات العذاب للمؤمنين، فذهبوا إلى رسول الله يستأذنونه في الهجرة إلى الحبشة فأذن لهم، فقال عثمان بن عفان : يا رسول الله، فهجرتنا الأولى وهذه الآخرة إلى النجاشي، ولست معنا. فقال رسول الله :" أنتم مهاجرون إلى الله وإلي، لكم هاتان الهجرتين جميعاً". فقال عثمان: فحسبنا يا رسول الله.


وهاجرت رقية ثانية مع زوجها إلى الحبشة مع المؤمنين الذين بلغوا ثلاثة وثمانين رجلاً. وبهذا تنفرد رقية ابنة رسول الله بأنها الوحيدة من بناته الطاهرات التي تكتب لها الهجرة إلى بلاد الحبشة، ومن ثم عُدت من أصحاب الهجرتين.قال الإمام الذهبي- رحمه الله- عن هجرة رقية وعثمان رضي الله عنهما :" هاجرت معه إلى الحبشة الهجرتين جميعاً. وفيهما قال رسول الله : "إنهما أول من هاجرا إلى الله بعد لوط"

ولم يطل المقام برقية في مكة، ففي العام الثالث عشر للبعثة، كان أكثر المؤمنين من أهل البيت الحرام قد وصلوا إلى المدينة المنورة، ينتظرون نبيهم محمداً ليأتي إليهم وإلى اخوتهم الأنصار مهاجراً مجاهداً. وهناك في المدينة جلست رقية مع زوجها عثمان، ووضعت مولودها الجميل عبد الله... وراحت تملأ عينها من النظر إليه، لكي تنسى مرارة فقدها لجنينها، ولوعة مصابها في أمها، وما قاسته في هجرتها وهي بطلة الهجرتين من شجن الغربة. ويبدأ صراع جديد بين الحق والباطل، وترى رقية بوادر النصر لأبيها، فالله عز وجل قد أذن له وللمؤمنين أن يقاتلوا المشركين، ليدعموا بنيان المجتمع الإسلامي الجديد الذي بنوه بأيديهم في يثرب.
وفاتها

وينمو عبد الله ابن المجاهدين العظيمين نمواً طيباً، ولكن شدة العناية قد توقع في ما يحذره الإنسان أحياناً، فما بال عبد الله يميل نحو الهبوط، وتذبل ريحانته بعد أن كان وردة يفوح عطرها، ويزكو أريجها يا لله... وأخذ الزوجان يرقبان بعيون دامعة، وقلب حزين سكرات الموت يغالبها الصغير بصعوبة تقطع الفؤاد. ومات ابن رقية، بعد أن بلغ ست سنين ومات بعد أن نقر الديك وجهه(عينه)، فتورم وطمر وجهه ومرض ثم مات، وبكته أمه وأبوه، وافتقد جده بموته ذلك الحمل الوديع الذي كان يحمله بين يديه كلما زار بيت ابنته، ولم تلد رقية بعد ذلك



ولم يكن لرقية سوى الصبر وحسن التجمل به، ولكن كثرة ما أصابها في حياتها من مصائب عند أم جميل، وفي الحبشة، كان لها الأثر في أن تمتد إليها يد المرض والضعف، ولقد آن لجسمها أن يستريح على فراش أعده لها زوجها عثمان، وجلس بقربها الزوج الكريم يمرضها ويرعاها، ويرى في وجهها علامات مرض شديد وألم قاس تعانيه، وراح عثمان يرنو بعينين حزينتين إلى وجه رقية الذابل، فيغص حلقه آلاما، وترتسم الدموع في عينيه، وكثيراً ما أشاح بوجهه لكي يمسك دمعة تريد أن تنهمر، ولقد كانت رقية تحس هذا الشيء، فتتجلد وتبذل ما أمكنها، لكي تبتسم له ابتسامة تصطنعها حتى تعود إليه إشراقة وجهه النضير... وتنهال على رأسه الذكريات البعيدة، ورأى رقية وهي في الحبشة تحدث المهاجرات حديثاً يدخل البهجة إلى النفوس، ويبعث الآمال الكريمة في الصدور، وتقص عليهن ما كانت تراه من مكارم أبيها رسو ل الله وحركت هذه الذكريات أشجان عثمان، وزادت في مخاوفه، وكان أخشى ما يخشاه أن تموت رقية، فينقطع نسبه لرسول الله



ورنا عثمان ثانية إلى وجه زوجته الذابل، ففرت سكينته، ولفه حزن شديد ممزوج بخوف واضطراب، حيث كانت الأنفاس المضطربة التي تلتقطها رقية جهدها، تدل على فناء صاحبتها. كانت رقية تغالب المرض، ولكنها لم تستطع أن تقاومه طويلاً، فأخذت تجود بأنفاسها، وهي تتلهف لرؤية أبيها الذي خرج إلى بدر، وتتلهف لرؤية أختها زينب في مكة، وجعل عثمان يرنو إليها من خلال دموعه، والحزن يعتصر قلبه، مما كان أوجع لفؤاده أن يخطر على ذهنه، أن صلته الوثيقة برسول الله r توشك أن تنقطع. وكان مرض رقية رضي الله عنها الحصبة، ثم بعد صراعها مع هذا المرض، لحقت رقية بالرفيق الأعلى، وكانت أول من لحق بأم المؤمنين خديجة من بناتها، لكن رقية توفيت بالمدينة، وخديجة توفيت بمكة قبل بضع سنين، ولم ترها رقية، وتوفيت رقية، ولم تر أباها رسول الله، حيث كان ببدر مع أصحابه الكرام، يعلون كلمة الله، فلم يشهد دفنها صلى الله عليه وسلم



وحُمِل جثمان رقية رضي الله عنها على الأعناق، وقد سار زوجها خلفه، وهو واله حزين، حتى إذا بلغت الجنازة البقيع، دفنت رقية هنالك، وقد انهمرت دموع المشيعين. وسوى التراب على قبر رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عاد المجاهدون من بدر يبشرون المؤمنين بهزيمة المشركين، وأسر أبطالهم. وفي المدنية المنورة خرج رسول الله إلى البقيع، ووقف على قبر ابنته يدعو لها بالغفران. لقد ماتت رقية ذات الهجرتين قبل أن تسعد روحها الطاهرة بالبشرى العظيمة بنصر الله، ولكنها سعدت بلقاء الله في داره

ولما توفيت رقية بكت النساء عليها، في رواية ابن سعد: قال: لما ماتت رقية بنت رسول الله، قال: " ألحقي بسلفنا عثمان بن مظعون" فبكت النساء عليها؛ فجعل عمر يضربهن بسوطه. فأخذ النبي rبيده، وقال: " دعهن يبكين"، ثم قال: " ابكين، وإياكن ونعيق الشيطان؛ فإنه مهما يكن من القلب والعين فمن الله والرحمة، ومهما يكن من اليد واللسان فمن الشيطان"، فقعدت فاطمة على شفير القبر إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت تبكي، فجعل رسول الله يمسح الدمع عن عينها بطرف ثوبه

رحم الله رقية بطلة الهجرتين، وصلاة وسلاماً على والدها في العالمين ورحم معها أمها وأخواتها وابنها وشهداء بدر الأبطال، وسلام عليها وعلى المجاهدين الذين بذلوا ما تسع لهم أنفسهم به من نصره لدين الله ودفاع عن كلمة الحق والتوحيد إلى يوم الدين، و السعي إلى إعلاء كلمة الله.

...

صلاح 1985
03-11-2004, 06:53
زينب الكبرى... بنت الرسول
طفولة زينب {رضي الله عنها} ونشأتها:

هي زينب بنت محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم خاتم النبيين. وزينب {رضي الله عنها}هي كبرى بنات الرسول r والأولى من بين أربع بنات هن زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة {رضي الله عنهن} وهي ثمرة الزواج السعيد الذي جمع بين خديجة بنت خويلد {رضي الله عنها} ورسول الله r . ولدت زينب {رضي الله عنها} في السنة الثلاثين من مولد محمد r، أي أنه كان يبلغ من العمر ثلاثين عاما عندما أصبح أباً لزينب التي أحبها كثيراً وكانت فرحته لا توصف برؤيتها. أما السيدة خديجة {رضي الله عنها} فقد كانت السعادة والفرحة تغمرانها عندما ترى البِشر على وجه زوجها وهو يداعب ابنته الأولى.

واعتاد أهل مكة العرب عامة والأشراف منهم خاصة على إرسال صغارهم الرضع بيد مرضعات من البادية يعتنين بهم وبعدما يقارب من السنتين يعيدوهم إلى ذويهم. بعد أن عادت زينب {رضي الله عنها} إلى حضن أمها خديجة عهدت بها إلى مربية تساعدها على رعايتها والسهر على راحة ابنتها. وترعرعت زينب في كنف والدها حتى شبّت على مكارم الأخلاق ِوالآداب والخصال فكانت تلك الفتاة البالغة الطاهرة.

زواج زينب {رضي الله عنها} :

كانت هالة بنت خويلد أخت خديجة {رضي الله عنها} زوج رسول الله r تقبل على أختها بين الحين والآخر، فقد كانتا قريبتان من بعضهما، وكانت هالة تعتبر السيدة خديجة أماً وأختاً لها وكم حلمت بأن تكون زينب بنت أختها {رضي الله عنها} زوجة لابنها أبي العاص. من ذلك نجد أن هالة أحسنت الاختيار فهي زينب بنت محمدr أحد أشراف قريش ومكانته كانت عظيمة بينهم وأمها ذات المنزلة الرفيعة والأخلاق الكريمة أيضاً. أما زينب فلم تكن بحاجة إلى تعريف, فأخلاقها كانت من أهم ما جذب خالتها لها. كان أبو العاص قد تعرف إلى زينب من خلال الزيارات التي كان يقوم بها لخالته {رضي الله عنها}، ومن هناك عرف عن طباع ابنة خالته زينب وأخلاقها فزاد من ترداده على بيت خالته. وفي إحدى الأيام فاتحت هالة أختها بنوايا ابنها الذي أختار زينب بنت محمدr ذو المكانة العظيمة في قريش لتكون شريكة حياته وزوجة له.

سرت بهذا الخبر السيدة خديجة{رضي الله عنها} وهي ترى ابنتها وقد كبرت وأصبحت في سن الزواج ، فأي أم لا تحلم بزواج ابنتها وخاصة إذا كانت هي بكرها. أخبرت خديجة {رضي الله عنها} الرسول r بنوايا ابن أختها أبي العاص ورغبته في التقدم لخطبة ابنته زينب {رضي الله عنها}، فما كان من رسول الله r إلا أن يرحب به ليكون زوجاً لابنته بعد موافقتها طبعاً؛ وكان ذلك لأن أبا العاص يلتقي نسبه من جهة الأب مع رسول الله r عند الجد الثالث عبد المناف فهو أبو العاص ابن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى، وكذلك فإن نسبه يلتقي من جهة الأم مع زينب بنت محمد r عند جده خويلد بن أسد بن عبد العزى. بالإضافة إلى ذلك فإن أبا العاص على الرغم من صغر سنه فقد عرف بالخصال الكريمة والأفعال النبيلة. وعندما ذهب أبو العاص إلى رسول الله r ليخطب ابنته، قال عنه الرسول r: إنه نعم الصهر الكفء، هذا يعني أن محمدا ً r لم يجد به عيبا،ً وطلب من الخاطب الانتظار، حتى يرى رأي ابنته في ذلك ولم يشأ الموافقة على أبي العاص قبل موافقة ابنته زينب عليه. وهذا موقف من المواقف التي دلت على حرص الرسول r على المشاورة ورغبته في معرفة رأي ابنته في هذا الموقف. وما كان من زينب {رضي الله عنها} إلا أن تسكت إعلاناً منها قبول ابن خالتها أبا العاص؛ ليكون زوجاً لها تسهر على رعايته وراحته، وتشاركه فرحه وحزنه وتوفر له أسباب السعادة.

ذاع خبر خطبة أبي العاص لزينب {رضي الله عنها} في أرجاء مكة كلها، ففرح الناس بذلك، وأخذوا يهنئون زينب بالزوج الذي اختارته، فهو من الرجال المعدودين مالاً وتجارة في مكة، وفي الوقت نفسه يهنأ أبو العاص بالفتاة التي اختارها لتكون زوجة له، وأماً لأطفاله في المستقبل. انتظر الجميع يوم زفاف هذين الزوجين وعندما حان الموعد المنتظر نحرت الذبائح وأقيمت الولائم، وكانت فرحة كليهما لا توصف.

عاشت زينب حياة سعيدة في كنف زوجها وكانت خير الزوجة الصالحة الكريمة لأبي العاص ، وكان هو خير الزوج الفاضل الذي أحاطها بالحب والأمان. وشاء الله تعالى أن يكون ثمرة هذا الزواج السعيد طفلين أنجبتهما زينب {رضي الله عنها}. الأول علي بن أبي العاص الذي توفي صبيا وكان رسول الله r قد أردفه وراءه يوم الفتح، والثانية أمامة بنت أبي العاص التي تزوجها علي بن أبي طالب { كرم الله وجهه} بعد وفاة فاطمة الزهراء {رضي الله عنها}.

كان أبو العاص يعمل بالتجارة فيضطر في بعض الأحيان للسفر إلى بلاد الشام تاركاً زوجته عند أمه هالة بنت خويلد . ومن شدة حب أبي العاص لزوجته كان يقول فيها في سفره وبعيدا ً عنها:



ذكرت زينب لما ورّكــــت أرما فقلت سقيا لشخصٍ يسكن الحرما
بنت الأمين جزاها الله صــــالحاً وكلٌ بَعــلٍ سيثني بالذي عـلِما


نزول الوحي على محمد وإسلام زينب {رضي الله عنها}:

عندما نقول أنه ليس من الغريب أن يكون محمد نبي الأمة فأننا نعني ذلك لعدة أسباب، فالرسول كان يتمتع بأنبل الصفات وأحسن الأخلاق؛ فقد عٌرف بصدقه وأمانته؛ ومساعدته للضعيف والفقير؛ وبتلك المحاسن التي أشتهر بها كان هو الرجل الأعظم والأكمل بين سادات قريش في مكة.
تبدأ قصة نزول الوحي عندما بدأ الرسول ينشغل في التأمل في خلق الله وهو في غار حراء. وكان يقضي أوقاتاً طويلة في تأمله وتدبره ، وفي الجانب الآخر كانت زوجته السيدة خديجة {رضي الله عنها} تسأل عنه دائماً وترسل من يأتي بأخباره إليها، وكانت هي أكثر من يهيئ له الراحة والسعادة. وبعد نزول الوحي على رسول الله ، أسرعت خديجة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل تروي له كل ما حصل مع زوجها في غار حراء، فبشرها بأنه سيكون نبي الأمة المنتظر ولكن وفي الوقت نفسه فإنه سيتعرض للتعذيب والاضطهاد من قريش. سرت خديجة ببشارة النبي وحزنت بعد معرفتها بأن قريش لن تتبع زوجها بالدين الذي سيدعو له وعلى الرغم من ذلك كانت السيدة خديجة {رضي الله عنها} أول من آمن بما جاء به الرسول وأول من اتبعه. وفي يوم نزول الوحي على سيدنا محمد كان أبو العاص في سفر تجارة ، فخرجت السيدة زينب {رضي الله عنها} إلى بيت والدها تطمئن على أحوالهم فإذا بها ترى أمها خديجة في حال غريب بعد عودتها من عند ورقة بن نوفل. سألت زينب أمها عن سبب هذا الانشغال فلم تجبها إلى أن اجتمعت خديجة {رضي الله عنها}ببناتها الأربع زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة {رضي الله عنهن} وأخبرتهن بنزول الوحي على والدهم وبالرسالة التي يحملها للناس كافة. لم يكن غريباً أن تؤمن البنات الأربع برسالة محمد فهو أبوهن والصادق الأمين قبل كل شي، فأسلم دون تردد وشهدن أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وقررت الوقوف إلى جانبه ومساندته، وهذا أقل ما يمكن فعله. أسلم عدد قليل من رجال مكة من أمثال أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان والزبير بن العوام {رضي الله عنهم }وهم من الذين أيدوه وتقاسموا معه ظلم قريش وبطشهم. وعاد أبو العاص من سفره، وكان قد سمع من المشركين بأمر الدين الجديد الذي يدعو إليه محمد .
دخل على زوجته فأخبرها بكل ما سمعه، وأخذ يردد أقوال المشركين في الرسول ودينه، في تلك اللحظة وقفت السيدة زينب {رضي الله عنها}موقف الصمود وأخبرت زوجها بأنها أسلمت وآمنت بكل ما جاء به محمد ودعته إلى الإسلام فلم ينطق بشيء وخرج من بيته تاركاً السيدة زينب بذهولها لموقفه غير المتوقع. وعندما عاد أبو العاص إلى بيته وجد زوجته {رضي الله عنها} جالسة بانتظاره فإذا به يخبرها بأن والدها محمد دعاه إلى الإسلام وترك عبادة الأصنام ودين أجداده ، فرحت زينب ظناً منها أن زوجها قد أسلم، لكنه لم يكمل ولم يبشرها بإسلامه كما ظنت فعاد الحزن ليغطي ملامح وجهها الطاهر من جديد. بالرغم من عدم إسلام أبي العاص ألا أنه أحب محمد حباً شديدا،ً ولم يشك في صدقه لحظة واحدة، وكان مما قال لزوجته السيدة زينب {رضي الله عنها} في أحد الأيام عندما دعته إلى الإسلام :
" والله ما أبوك عندي بمتهم، وليس أحب إليّ من أن أسلك معك يا حبيبة في شعب واحد، ولكني أكره لك أن يقال: إن زوجك خذل قومه وكفر بآبائه إرضاء لامرأته "

من هذه المواقف نجد أن السيدة زينب {رضي الله عنها} على الرغم من عدم إسلام زوجها فقد بقيت معه تدعوه إلى الإسلام، وتقنعه بأن ما جاء به الرسول هو من عند الله وليس هناك أحق من هذا الدين لاعتناقه. ومن ذلك نجد أيضاً أن أبا العاص لم يجبر زوجته على تكذيب والدها أو الرجوع إلى دين آبائهِ وعبادة الأصنام ِ وحتى وإن أجبرها فلم تكن هي، لتكذب أباها إرضاء لزوجها، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخال

السيدة زينب وموقفها من هجرة الرسول :

بعد عام الحزن الذي شهد فيه الرسول ومعه بناته {رضي الله عنهن} وفاة كل من السيدة خديجة {رضي الله عنها}، وعم الرسول أبي طالب، زاد بطش وتعذيب كفار قريش للرسول . كان محمد يجد في السيدة خديجة ملجأً لبث همومه، وكان يشكو إليها من تعذيب رجال قريش ، ويرى في عمه أبو طالب رجلاً معيناً وناصراً على قومه على الرغم من عدم إسلامه. لذلك كان وفاة هذين الشخصين العزيزين مأساة للرسول r ، فحزن لذلك حزناً كبيراً وحزنت معه زينب ومعها أخواتها الثلاث {رضي الله عنهن} وقد وجهن كل حنانهن وحبهن أباهم للتخفيف عنه.

كانت السيدة زينب {رضي الله عنها} تسمع في كل يوم عن مطاردة قريش للرسول وتعذيبه، ومعه أصحابه بشتى أنواع العذاب، وهي ترى صبر والدها، وما كان منها إلا أن تدعو له بالنصر على أعداؤه ونشر دعوة الإسلام في كل مكان. حتى كان اليوم الذي وصل فيه خبر هجرة محمد ومعه الصديق أبو بكر {رضي الله عنه}إلى يثرب ، ومطاردة رجال قريش لهما؛ لقتلهما والقضاء على خاتم الرسل والإسلام. وكانت زينب تمضي الليالي مضطربة النفس خائفة القلب على الرسول r ، ولم ترتح إلا بعد أن وصل خبر وصوله وصاحبه إلى يثرب آمنين سالمين. وبعد هجرة رسول الله إلى المدينة المنورة أمر بإحضار ابنتيه فاطمة وأم كلثوم {رضي الله عنهن} إلى دار الهجرة يثرب، أما رقية {رضي الله عنها} فقد هاجرت مع زوجها من قبل ولم يبق سوى زينب التي كانت في مأمن من بطش المشركين وتعذيبهم وهي في بيت زوجها الذي آمنها على دينها.


يتبع......

صلاح 1985
03-11-2004, 06:57
موقعة بدر وأثرها في نفس زينب {رضي الله عنها}:

بعد أن استولى المسلمون على قافلة كانت قادمة من بلاد الشام حاملةً بضائع لأهل مكة وقتل عمرو بن الحضرمي وأخذ رجال القافلة كأسرى، اشتد غضب رجال قريش، وخاصة بعد أن وصلهم أن رسول الله ينوي التعرض لقافلة أبي سفيان . وحشد رجال قريش وأشرافها الجيوش وجروا العتاد والأسلحة؛ لمواجهة محمد ومعه أصحابه للقضاء عليهم في يثرب. في تلك الأثناء وصلت قافلة أبي سفيان سالمة إلى مكة. ومن أشد الأمور غرابة، أن أبا العاص زوج السيدة زينب {رضي الله عنها}كان قد تحالف مع المشركين وقرر الوقوف ضد رسول الله ووالد زوجته والمسلمين في موقعة بدر تاركاً زوجته وطفليه في مكة، غير آبه بزوجته وطلبها البقاء في مكة، وعدم المشاركة مع المشركين.كانت زينب {رضي الله عنها} تدعو الله سبحانه وتعالى أن ينصر والدها على أعداء الله ِوأن يحفظ زوجها من كل سوء على الرغم من عصيانه لله. وبدأ القتال وواجه المشركون بعددهم الكبير رسول الله ومعه القلة المؤمنة، ولكن الله تعالى نصر رسوله والمؤمنون نصراً كبيراً وهزم أعداء الإسلام على الرغم من عدم التوافق العددي بين الجيشين. وصل خبر انتصار المسلمين إلى مكة وكانت فرحة زينب بهذا الانتصار لا توصف، ولكن خوفها على زوجها لم يكمل تلك السعادة التي غمرتها، حتى علمت بأن زوجها لم يقتل وأنه وقع أسيراً في أيدي المسلمين . وكان رسول الله قد رأى أبا العاص زوج ابنته ضمن الأسرى، واستبقاه عنده بعد أن أمر الصحابة أن يستوصوا بالأسرى خيراً.

( روي عن عائشة، بإسناد واه: أن أبا العاص شهد بدراً مشركاً، فأسره عبد الله بن جبير الأنصاري ، فلما بلغت أهل مكة في فداء أسراهم، جاء في فداء أبي العاص أخوه عمرو، وبعثت معه زينب بقلادة لها من جز ع ظفار-أدخلتها بها خديجة- في فداء زوجها، فلما رأى رسول الله القلادة عرفها، ورق لها وقال:" إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها فعلتم"؟ قالوا: نعم . فأخذ عليه العهد أن يخلي سبيلها إليه ، ففعل )[3].

هجرة السيدة زينب إلى يثرب:

بعد أن افتدت السيدة زينب {رضي الله عنها} زوجها الأسير عند رسول الله طلب الرسول من أبي العاص أن يخلي سبيل زوجته إليه ويجعلها تلحق بأبيها إلى دار الهجرة المدينة، فرضي أبو العاص على ذلك. وكانت السيدة زينب {رضي الله عنها} ومعها طفليها تتجهز للحاق بأبيها في دار الإسلام بعد أن أرسل الرسول زيد بن حارثة {رضي الله عنه} ومعه صحابي آخر إلى بطن يأجج على بعد ثمانية أميال من مكة ، ليصطحبا السيدة زينب معهما إلى يثرب. وعندما عاد أبو العاص إلى مكة أمر زوجته باللحاق بأبيها في المدينة وأمر أخاه كنانة بن الربيع بمرافقة زوجته . قدم كنانة للسيدة زينب {رضي الله عنها}بعيراً تركب عليه حتى تصل إلى بطن يأجج ويكمل زيد بن حارثة الطريق إلى والدها محمد . خرجت السيدة زينب من مكة وهي تودعها آمالة أن يخرج زوجها أبو العاص معها عائداً إلى يثرب مسلماً مؤمناً بالله مصدقاً لرسوله، على الرغم من كل ما رأته من وقوف زوجها ضد الرسول بدلاً من الوقوف إلى جانبه، ومساندته فقد تمنت له الخير دائما،ً وهذه هي صفات السيدة زينب بنت نبي الأمة محمد متسامحة محبة وداعية للخير دائماً. عندما علم رجال قريش بخبر خروج السيدة زينب إلى أبيها لحق بها هبار بن الأسود ومعه رجل آخر من قريش فعندما لقيها روعها برمحه فإذا هي تسقط من فوق بعيرها على صخرة جعلتها تسقط جنينها، فولى الرجال من بعد ذلك هاربين. رجع كنانة بي الربيع إلى مكة ومعه زينب حتى ترتاح من الألم والمرض الذي ألم بها وبعد عدة أيام اصطحبها مرة أخرى إلى يثرب حيث استقبلها أباها استقبالاً حاراً سعيداً برؤيتها مجدداً مع طفليها علي وأمامة.أخبرت السيدة زينب {رضي الله عنها}رسول الله بما فعله هبار وصاحبه، فاشتد غضب الرسول " ثم أرسل رسول الله بسرية لمعاقبة هبار وصاحبه .. وأمرهم بإحراقهم إن ظفروا بهما، ثم أرسل إليهم في اليوم التالي .. أن اقتلوهما فإنه لا ينبغي لأحد أن يعذب بعذاب الله تعالى"[4]. وأقامت السيدة زينب {رضي الله عنها}مع طفليها في كنف والدها حتى العام السابع من الهجرة.



إسلام أبو العاص بن الربيع زوج السيدة زينب{رضي الله عنها}:

قبل فتح مكة وبينما كان أبو العاص عائداً في قافلة من رحلة تجارة من بلاد الشام إلى مكة حاملاُ معه أموال قريش التي أؤتمن عليها، تعرض لقافلته سرية بقيادة زيد بن حارثة {رضي الله عنه} ومعه مائة وسبعين رجلا ً . تمكنت هذه السرية المبعوثة من رسول الله من الحصول على كل ما تحمله تلك السرية من مال وهرب عددٌ من رجال القافلة وكان أبو العاص واحداً منهم. وخشي أبو العاص على أموال قريش التي كان قد أؤتمن عليها، فلم يجد إلا أن يتوجه إلى مكة ليلا ً ليستجير بالسيدة زينب {رضي الله عنها} أن يعيد رسول الله مال قريش التي استولوا عليها من القافلة فأجارته في طلب ذلك المال." لما خرج رسول الله إلى الصبح فكبّر وكبر الناس معه، صرخت زينب من صفّة النساء : أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع. فلما سلم رسول الله من الصلاة أقبل على الناس فقال: " أيها الناس هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا نعم قال: أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء كان حتى سمعت منه ما سمعتم أنه يجير على المسلمين أدناهم ثم انصرف رسول الله فدخل على ابنته فقال: أي بنية أكرمي مثواه، ولا يخلص إليك فإنك لا تحلين له ما دام مشركاً" . اجتمع رسول الله مع أصحابه بأبي العاص، فاستشار صحابته أن يردوا على أبي العاص أمواله التي أخذوها من القافلة وقال لهم: " إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالاً ، فإن تحسنوا وتردوا عليه الذي له فأنا أحب ذلك، وإن أبيتم فهو فئ الله الذي أفاء عليكم فأنتم أحق به". اتفق الصحابة جميعاً على إعادة المال لأبي العاص كاملا ً دون نقصان. رجع أبو العاص بالمال إلى مكة وأعطى كل واحد من قريش نصيبه من المال ثم قال:" أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد عبده ورسوله، والله ما منعني من الإسلام إلا أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم، فلما أداها الله إليكم فرغت منهم وأسلمت".جمع أبو العاص أغراضه وعاد إلى يثرب قاصداً مسجد الرسول فإذا بالرسول وأصحابه يفرحون بعودته، ليكمل فرحتهم تلك بالإسلام. وبعد إسلام أبي العاص أعاد الرسول زينب إليه بنكاحه الأول وقيل أنه أعيد إليها بنكاح جديد وعاشا من جديد معا ً والإسلام يجمعهما.



وفاة السيدة زينب {رضي الله عنها}:

بعد عام من التمام شمل الزوجين أبي العاص والسيدة زينب {رضي الله عنها}، وبعد أن عاشا حياة كريمة سعيدة في دار الإسلام مع ولديها أمامة وعلي، بدأ المرض يزداد على السيدة زينب {رضي الله عنها}. وظلت زينب لازمة الفراش فترة طويلة من أثر ما تعرضت له من قبل هبار بن الأسود، وهي في طريقها إلى يثرب للهجرة. ولم تستطع الأدوية أن تخفف من مرض زينب فسلمت أمرها لله سبحانه وتعالى. في العام الثامن للهجرة توفيت السيدة زينب {رضي الله عنها}، وحزن رسول اللهr حزناً عظيما،ً وحزن معه زوجها أبو العاص الذي وافته المنية بعد 4 سنوات من وفاة زينب.

و" لما ماتت زينب بنت الرسول قال: اغسلنها وتراً، ثلاثاً أو خمساً، واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئا من كافور، فإذا غسلتنها،فأعلمنني. فلما غسلناها أعطانا حقوه، فقال: أشعرنها إياه"

بعد وفاة زينب {رضي الله عنها} مول رسول الله في قبرها، وهو مهموم ومحزون، فلما خرج سري عنه وقال: كنت ذكرى زينب وضعفها، فسألت الله تعالى أن يخفف عنها ضيق القبر وغمه، ففعل وهون عليها"



وبذلك تنتهي حياة هذه الشخصية العظيمة التي وقفت دائماً مع الإسلام ووالدها نبي الأمة محمد تسانده وتواسيه وهو يتعرض لتعذيب قريش. ضحت زينب لأجل زوجها على الرغم من شركه ووقوفه في وجه الإسلام حتى كانت هي سبباً من أسباب إسلامه

صلاح 1985
03-11-2004, 07:02
أروى....عمة رسول الله
أسمهــا ونسبها : هي أروى بنت عبد المطلب بن هاشم القرشية الهاشمية، عمة رسول الله .
زواجهــــا : تزوجت أروى من كلدة بن مناف ابن عبد الدار بن قصي.

إســــلامها:

أسلمت أروى وأختها صفية – رضي الله عنهما- جميعا ،وهاجرتا إلى المدينة ، وأسلم ولدها طليب قبلها في دار الأرقم. ولما أسلم ابنها طليب بن عمير بن وهب في دار الأرقم ، توجه إليها ليدعوها إلى الإسلام ، ويبشرها بما من الله تعالى عليه من التوفيق إلى الهداية إلى دينه الحق ، فقال لها : ( تبعت محمد –صلى الله وعليه وسلم – ألمت لله ) فقالت له : ( إن أحق من وزرت وعضدت ابن خالك ! والله لو كنا نقدر على ما يقدر عليه الرجال لتبعناه وذببنا عنه ) فقال طليب: ( فما يمنعك يا أمي من أن تسلمي وتتبعينه ؟ فقد أسلم أخوك حمزة) فقالت أروى : ( أنظر ما يصنع أخواتي ثم أكون إحداهن ) فقال لها : ( فإني أسألك بالله تعالى إلا أتيته فسلمت عليه وصدقته وشهدت أن لا إله إلا الله ، وأن محمد رسول الله ) ثم كانت بعد ذلك تعضد النبي –صلى الله وعليه وسلم – بلسانها ، وتحض ابنها على نصرته والقيام بأمره –صلى الله وعليه وسلم . فقد شهدت شهادة الحق، وقامت تدافع عنه، وتذب عنه بلسانها وتشيع بين نساء قريش صدقه وأمانته ، وأنه نبي الله ، وتدعوهن للإسلام - رضي الله عنها وأرضاها.

صفـــــــاتها:

تتصف أروى بنت عبد المطلب بصفات عديدة منها : الصدق والأمانة، وكانت تدعو النساء إلى الإسلام وكانت راجحة الرأي.وهي إحدى فضليات النساء في الجاهلية والإسلام، فقد عرفت الإسلام وفضله في بداية الدعوة ، وكانت ذات عقل راجح ورأي متزن يتضح ذلك في خطابها مع ولدها ومقابلتها لأخيها أبي لهب ، ومن خلال إسلامها مع أختها صفية – رضي الله عنهما – يبدو قوة العلاقة التي تجمعها بأختها صفية، فقد أسلمتا معا وهاجرتا معا، ويبدو من حوارها مع ولدها حول دعوته للإسلام ، حبها للتريث ومشاركة الآخرين بالرأي حينما قالت له : ( أنظر ما يصنع أخواتي ثم أكون إحداهن ) ،رضي الله عنها .
مساندة أروى للنبي صلى الله وعليه وسلم ونصرته:
تزوجت أروى بنت عبد المطلب عمة رسول الله - صلى الله وعليه وسلم - من عمير بن وهب بن عبد قصي فولدت له طليبا. وكانت أروى قبل إسلامها تعضد النبي - صلى الله وعليه وسلم - فذكروا: أن ابنها طليب بن عمير أسلم في دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي ، ثم خرج فدخل على أمه أروى ، فقال لها: تبعت محمدا وأسلمت لله. فقالت له أمه: ( إن أحق من وازرت وعضدت ابن خالك ، والله لو كنا نقدر على ما يقدر عليه الرجال لتبعناه وذببنا عنه)، فقال طليب: فما يمنعك يا أمي من أن تسلمي وتتبعيه فقد أسلم أخوك حمزة؟. فقالت:انظر ما يصنع أخواتي، ثم كانت تعضد النبي - صلى الله عليه وسلم - وتحض ابنها على نصرته والقيام بأمره .
وعرض أبو جهل وعدد من كفار قريش للنبي - صلي الله عليه وسلم - فآذوه فعمد طليب بن عمير إلى أبي جهل فضربه ضربة شجه، فأخذوه وأوثقوه، فقام دونه أبو لهب حتى خلاه، فقيل لأروى: ألا ترين ابنك طليبا قد صير نفسه عرضا دون محمد؟ فقالت: (خير أيامه يوم يذب عن ابن خاله، وقد جاء بالحق من عند الله) فقالوا : ولقد تبعت محمدا؟ قالت: نعم.

فخرج معهم إلى أبي لهب فأخبره، فأقبل عليها فقال: عجبا لك ولاتباعك محمدا وتركك دين عبد المطلب، فقالت: قد كان ذلك، فقم دون ابن أخيك وامنعه، فإن يطهر أمره فأنت بالخيار أن تدخل معه،وإن تكون على دينه، فإنه إن يصب كنت قد أعذرت في ابن أخيك . فقال أبو لهب: ولنا طاقة بالعرب قاطبة؟ جاء بد ين محدث، ثم انصرف، وقالت:

أن طليبا نصر ابن خاله واساه في ذي دمه وماله

وهاجرت إلى المدينة وبايعت النبي - صلي الله عليه وسلم. ولما انتقل ر سول الله - صلي الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى، قالت أروى بنت عبد المطلب:

ألا يا رسول الله كنت رجاءنا وكنت بنا برا ولم تك حافيا

كان على قلبي لذكر محمد وما جمعت بعد النبي المجاويا

شعرهـــا:

وهي شاعرة مجيدة وقد رثت أباها عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله e شعرا ، فقالت :

بكت عيني وحق لها البكاء على سمح سجيته الحياء

على سهل الخليقة ابطحي كريم الخيم نيتة العلاء

على الفياض شبيه ذي المملي أبيك الخير ليس له كفاء

طويل الباع أملس شي ظمي أغر كان غرته ضياء

أقب الكشح أروع ذي فضول له المجد المقدم والثناء

أبي الضيم أبلج هبر زي قديم المجد ليس له خفاء

ومعقل مالك وربيع فهر وفاصلها إذا التمس القضاء

وكان هو الفتى كرما وجودا وبأسا حين تنكسب الدمـاء

إذا هاب الكماة الموت حتى كأن قلوب أكثرهم هواء

مضى قدما بذي ربد خشيب عليه حين تبصره البهاء



ووفاتهـــــا:

وتوفيت سنة 15 هجري في خلافة عمر بن الخطاب- رضي الله عنه

صلاح 1985
03-11-2004, 07:07
صفية القريشية...عمة رسول اللهأول امرأة قتلـتْ رجـلاً في سبيل الله
أصلها ونسبها:

هي صفيه بنت عبد الرحمن بن عمرو بن عمر بن موسى بن الفراء... عمّة الرسول صلى الله عليه وسلم. وهي أخت حمزة بن عبد المطلب، أمها هالة بنت وهب خالة النبي، عليه الصلاة والسلام...

زواجها:

كان أول من تزوجها الحارث بن حرب بن أمية، ثم هلك حارث فتزوجها العوام بن خويلد بن أسد فولدت له الزبير والسائب وعبد الكعبة .أسلم أبنها طليب قبلها في دار الأرقم، كانت دائما تحض بلسانها على نصرة النبي صلى الله عليه وسلم.



بيعة صفية رضي الله عنها:

بايع الرسول -صلى الله عليه وسلم- الصحابيات على الإسلام وما مسّت يدُهُ يد امرأة منهنّ. وكان من بين الصحابيات عمته صفية بنت عبد المطلب. وكانت لهذه البيعة أثرٌ واضح في حياتها، والأمانة والإخلاص في قولها وعملها.

أدبــــــــــــها:

كانت رضي الله عنها أديبة واعظه فاضلة أنشدت لنفسه في الوفاء فقال:

إذا ما خلت من أرض كد أحبتي فلا سال واديها ولا أخضر عودها.

وقالت في الفخر أيضا :

نحن حفرنا للحجيج زمزم سقيا نبي الله في المحرم

وقد رثت الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت:

ألا يا رسول الله كنت رجاءنا وكنت بنا برا ولم تك جافيا

وكنت رحيما هاديا معلما لبيك عليك اليوم من كان باكيا

لعمرك ما أبكي النبي لفقده ولكن لما أخشى من الهرج آتيا

كأن على قلبي لذكر محمد وما خفت من بعد النبي المكاويا

أفاطم صلى الله أمي وخالتي وعمي وآبائي ونفسي ومالي

فلو أن رب الناس أبقى نبينا سعدنا ولكم أمره كان ماضيا

عليك من الله السلام تحية وأدخلت جنات من العدن راضيا

أرى حسنا أيتمته وتركته يبكي ويدعو جده اليوم نائيا



جهادها ومواقفها:

لم يفرض الإسلام الجهاد على النساء، ولكنه لم يحرمه عند الضرورة. شاركت صفيه رضي اللة عنها في غزوة أحد . وذلك بقتال الأعداء بالرمح. وقد جاءت يوم أحد وقد انهزم الناس وبيدها رمح تضرب في وجوه الناس وتقول: انهزمتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكان أخوها حمزة بن عبد المطلب قد قتل ومثل به.. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلة قال لابنها الزبير: أرجعها لكي لا ترى أخيها. فذهب إليها الزبير بن العوام وقال: يا أماه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي .

فقالت صفية بنت عبد المطلب: ولم؟ لقد بلغني أن أخي مات ، وذلك في الله، لأصبرن ولأحتسبن إن شاء الله. فلما جاء الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بقول أمه صفية فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خل سبيلها، فأتت صفية فنظرت إلى أخيها حمزة، وقد بقرت بطنه، فاسترجعت واستغفرت له.



وشهدت غزوة أحد الخندق، وكان لصفية – رضي الله عنها- موقف لا مثيل له في تاريخ نساء البشر. فحين خرج الرسول - صلى الله عليه وسلم- لقتال عدوة في معركة الأحزاب ( الخندق ) ...وقام بوضع الصبيان ونساء المسلمين وأزواجه في ( فارع ) حصن حسان بن ثابت، قالت صفية:" فمر بنا رجل من يهود، فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة، وقطعت ما بينها وبين رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم)، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) والمسلمون في غور عدوهم، لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إن أتانا آت، قالت: فقلت يا حسان، إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن، وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا مَن وراءنا من يهود، وقد شُغل عنا رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) وأصحابه، فانزل إليه فاقتله. قال: والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، قالت: فاحتجزت ثم أخذت عموداً، ثم نزلت من الحصن إليه، فضربته بالعمود حتى قتلته، ثم رجعت إلى الحصن، وقلت: يا حسان، انزل إليه فاسلبه. فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل. قال: ما لي بسلبه من حاجة.

وقد كان لهذا الفعل المجيد من عمة رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) أثر عميق في حفظ ذراري المسلمين ونسائهم، ويبدو أن اليهود ظنوا أن هذه الآطام والحصون في منعة من الجيش الإسلامي -مع أنها كانت خالية عنهم تماماً- فلم يجترئوا مرة ثانية للقيام بمثل هذا العمل، إلا أنهم أخذوا يمدون الغزاة الوثنيين بالمؤن كدليل عملي على انضمامهم إليهم ضد المسلمين، حتى أخذ المسلمون من مؤنهم عشرين جملاً. ( وبذلك كانت أول امرأة مسلمة تقتل رجلا في سبيل الله).



وفاتها :

توفيت - رضي الله عنها- في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة عشرين هجرية ، ولها من العمر ثلاث وسبعون سنة، ودفنت في البقيع في دار المغيرة بن شعبة.

صلاح 1985
03-11-2004, 07:10
سمية أم عمار
نسبها

سمية بنت الخُباط، هي أم عمار بن ياسر، أول شهيد استشهد في الإسلام، وهي ممن بذلوا أرواحهم لإعلاء كلمة الله عز وجل، وهي من المبايعات الصابرات الخيرات اللاتي احتملن الأذى في ذات الله.كانت سمية من الأولين الذين دخلوا في الدين الإسلامي وسابع سبعة ممن اعتنقوا الإسلام بمكة بعد الرسول وأبي بكر الصديق وبلال وصهيب وخباب وعمار ابنها. فرسول صلى الله عليه وسلم قد منعه عمه عن الإسلام، أما أبوبكر الصديق فقد منعه قومه، أما الباقون فقد ذاقوا أصناف العذاب وألبسوا أدراع الحديد وصهروا تحت لهيب الشمس الحارقة

عن مجاهد، قال: أول شهيد استشهد في الإسلام سمية أم عمار. قال: وأول من أظهر الإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبوبكر ، وبلال، وصهيب، وخباب، وعمار، وسمية أم عمار

:زواجها

كانت سمية بنت خباط أمة لأبي حذيفة بن المغيرة بن عبدالله ابن عمر بن مخزوم، تزوجت من حليفه ياسر بن عامر بن مالك بن كنانه بن قيس العنسي. وكان ياسر عربياً قحطانياً مذحجيًا من بني عنس، أتى إلى مكة هو وأخويه الحارث والمالك طلباً في أخيهما الرابع عبدالله، فرجع الحارث والمالك إلى اليمن وبقي هو في مكة. حالف ياسر أبا حذيفة ابن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم، وتزوج من أمته سمية وانجب منها عماراً، فأعتقه أبوحذيفة، وظل ياسر وابنه عمار مع أبي حذيفة إلى أن مات، فلما جاء الإسلام أسلم ياسر وأخوه عبدالله وسمية وعمار

:تعذيب المشركين لآل ياسر

عذب آل ياسر أشد العذاب من أجل اتخاذهم الإسلام ديناً الذي أبوا غيره، وصبروا على الأذى والحرمان الذي لاقوه من قومهم، فقد ملأ قلوبهم بنور الله-عزوجل- فعن عمار أن المشركين عذبوه عذاباً شديداً فاضطر عمار لإخفاء .إيمانه عن المشركين وإظهار الكفر وقد أنزلت آيه في شأن عمار في قوله عزوجل: (( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)). وعندما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:ما وراءك؟ قال : شر يا رسول الله! ما تُركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير! .قال: كيف تجد قلبك؟ قال : مطمئناً بالإيمان. قال : فإن عادوا لك فعد لهم

هاجر عمار إلى المدينة عندما اشتد عذاب المشركين للمسلمين، وشهد معركة بدر وأحد والخندق وبيعة الرضوان والجمل واستشهد في معركة صفين في الربيع الأول أو الآخر من سنة سبع وثلاثين للهجرة، ومن مناقبه، بناء أول مسجد في الإسلام وهو مسجد قباء

وقد كان آل ياسر يعذبون بالأبطح في رمضاء مكة وكان الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمر بهم ويدعو الله -عزوجل- أن يجعل مثواهم الجنة، وأن يجزيهم خير الجزاء

عن ابن إسحاق قال: حدثني رجال من آل عمار بن ياسر أن سمية أم عمار عذبها هذا الحي من بني المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم على الإسلام، وهي تأبى غيره، حتى قتلوها، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-مر بعمار وأمه وأبيه وهم يعذبون بالأبطح في رمضاء مكة، فيقول: صبراً آل ياسر فإنّ موعدكم الجنة

:وفاتها

نالت سمية الشهادة بعد أن طعنها أبوجهل بحربة بيده في قُبلها فماتت على إثرها.وكانت سمية حين استشهدت امرأة عجوز، فقيرة، متمسكة بالدين الإسلامي، ثابته عليه لا يزح زحها عنه أحد، وكان إيمانها الراسخ في قلبها هو مصدر ثباتها وصبرها على احتمال الأذى الذي لاقته على أيدي المشركين

: مصير القاتل

أبوجهل هو عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم القرشي، ويكنى بأبي الحكم.كان من أشد الناس عداوة للإسلام والمسلمين، وأكثرهم أذى لهم. وقد لقبه المسلمون بأبي جهل لكثرة تعذيبه المسلمين وقتله سمية، ولكن الله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل

قتل أبو جهل في معركة بدر الكبرى، حيث قاتل المسلمون المشركين بأسلوب الصفوف، بينما قاتل المشركون المسلمين بأسلوب الكر والفر. طعن أبا جهل على يدي ابني عفراء، عوف بن الحارث الخزرجي الأنصاري، ومعوذ بن الحارث الخزرbجي الأنصاري، رضي الله عنهما، ولكنه لم يمت على أثر طعناتهما بسبب ضخامة جسده، ولأن ابني عفراء كانا صغيرين بالسن، لكنه لفظ نفسه الأخيرة على يد عبدالله بن المسعود الذي أجهز عليه. ولقد استشهد ابنا عفراء في هذه معركة رضي الله عنهما

قال عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه: إني لفي الصف)) يوم بدر، إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سراً من صاحبه: يا عم! أرني أبا جهل! فقلت يا ابن أخي! ما تصنع به؟! قال: عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه. قال لي الأخر سراً من صاحبه مثله، فأشرت لهما إليه، ((فشدا عليه مثل الصقرين،فضرباه حتى قتلاه

((بعد مقتل أبا جهل، قال النبي صلى الله لعمار بن ياسر (( قتل الله قاتل أمك

:الدروس والعبر في سيرة حياة سمية

سمية بن الخُباط هي من أهم المجاهدات المسلمات اللواتي احتملن الأذى والعذاب، الذي كان يلقاه المسلمون على أيدي المشركين في ذلك الوقت. وهي ممن بذلوا الغالي والنفيس في ذات الله تعالى

كان إيمانها القوي بالله تعالى هو سبب ثباتها على الإسلام ورفضها ديناً غيره، فقد وقر الإيمان في قلبها وذاقت لذته وأيقنت أنه فيه سعادتها في الدنيا والآخره، فوكلت أمرها إلى الله تعالى محتسبه وصابرة أن يجزيها الله تعالى خيراً على صبرها ويعاقب المشركين، ونستشف من قصة سمية أن الله سبحانه وتعالى يمهل، ولا يهمل وأنه مهما طال الأمد، فإن كل إنسان سوف يأخذ جزاءه عاجلاً أم أجلاً.

صلاح 1985
03-11-2004, 07:13
خولة بنت الأزور

خولة بنت الأزور الأسدي: شاعرة كانت من أشجع النساء في عصرها، وتشبه خالد بن الوليد في حملاتها. وهي أخت ضرار ، توفيت أواخر عهد عثمان 35هـ

خولة بنت الأزور امرأة ليست ككل النساء، تميزت عنهن بالكثير من الصفات والمواصفات، تربت في البادية العربية مع أبناء قبيلتها بني أسد، ولازمت أخاها ضراراً ، فكانا دوماً معاً ، ودخلت الإسلام مع من دخل من أبناء العروبة في ذلك الزمن الأول للإسلام، وشاء الله أن تكون وأخوها ضرار مع الكتائب الطلائعية المتقدمة للجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمة الحق والدين…فشاركت بكل قوة وببسالة نادرة بين الرجال وبين النساء وعلى مر العصور في الكر والفر ،في حمل الرماح ورمي السهام ، وضربت بالحسام خاصة عندما وقع أخوها ضرار في الأسر بعد أن أبلى بلاءً منقطع النظير .

خولة بنت الأزور مضت في زمن قديم لنا ، تستحق منا نظرة دراسة ، نظرة مراجعة ، نظرة إعزاز وإكبار وتعظيم… إنها قدوة لبنات العرب والمسلمين في زماننا وعلى مر العصور، قدوة للرجال وقدوة للنساء صغاراً وكباراً ، قدوة في الشجاعة والبسالة وفي التعاون والتآزر مع الأهل والأخوة.

ما عرض عنها هو أهم ما ذكرته المراجع المتوفرة ، وهو نزر يسير ، رويت فيه بعض أشعارها وأخبارها بعدما كبرت واشتهرت، والسبب معروف… فهي بنت من البادية العربية التي لم تعرف الكتابة ولا التدوين في أيامها الأولى، لذا قل التنوع والتنويع لدى الكتاب والباحثين القدامى والمحدثين عنها وعن غيرها .إنها نموذج رائع للنساء المسلمات تستحق منا الإكبار وتستحق منا الدراسة.

من مواقفها البطولية لإنقاذ أخيها

وهي من ربات الشجاعة والفروسية ، خرجت مع أخيها ضرار بن الأزور إلى الشام وأظهرت في المواقع التي دارت رحاها بين المسلمين الروم بسالة فائقة خلد التاريخ اسمها في سجل الأبطال البواسل، فأسر أخوها ضرار في إحدى الموقعات فحزنت لأسره حزناً شديداً. وقالت :

فمن ذا الذي يا قوم أشغــلكم عنا

لكــنا وقفنــا للــوداع وودعنــــا

فهـل بقــدوم الغائــبين تبشرنـــا

وكنا بهــم نزهو وكانوا كما كنا

وأقبــحه ماذا يريــد الـنوى مــنا

ففـرقنا ريــب الزمـان وشتتــــنا

لثمنــا خفافــاً للمطــايـا وقبلنــــا

تركنـاه فــي دار العــدو ويممــنا

وما نحن إلاّ بمـثل لفظ بلا معنى

إذا ما ذكرهم ذاكر قلبي المضنى

وإن بعدوا عنا وإن منعوا منـــــا
ألا مخـبـر بـعـــد الــفراق يخبرنـــا

فـلو كـنــت أدري أنـه آخــر اللقـــا

ألا يا غـراب البـيـن هـل أنت مخـبري

لقــد كـانـت الأيـام تزهــو لقربــهم

ألا قاتـل الله الـنـــوى مــا أمــرّه

ذكــرت لـيلـي الجـمــع كـنا سـويـة

لئــن رجعوا يـومـاً إلـى دار عـزهــم

ولـم أنـس إذ قــالوا ضـرار مقيــد

فمـا هـذه الأيـام إلاّ مـعـارة

أرى القلب لا يختار في الناس غيرهم

سلام على الأحباب في كل ساعـــة




وقالت أيضاً:

فكيف ينام مقروح الجفــــون

أعز علي من عيني اليميــــن

لهان عليّ إذ هو غير.هــــون

وأعلق منه بالحبل المتــــــين

فليس يموت موت المستكيـن

لبـاكـية بـمـنـسـجم هــتون

أما أبكي وقد قطعوا وتيني
أبعد أخي تلذ الغمض عينــي

سأبكي ما حييت على شقيـق

فلو أني لحقت به قتيــــلاً

وكنت إلى السلو أرى طريقا

وإنا معشر من مات منــــاً

وإنـي إن يقـال مضى ضرار

وقالـوا لـم بكـاك فقـلت مهلاً




ومن موقعاتها( في أجنادين وهي قرية تقع شرقي القدس في فلسطين ) أن خالد بن الوليد نظر إلى فارس طويل وهو لا يبين منه إلا الحدق والفروسية ، تلوح من شمائله، وعليه ثياب سود وقد تظاهر بها من فوق لامته ، وقد حزم وسطه بعمامة خضراء وسحبها على صدره، وقد سبق أمام الناس كأنه نار. فقال خالد: ليت شعري من هذا الفارس؟ وأيم الله إنه لفارس شجاع. ثم لحقه والناس وكان هذا الفارس أسبق إلى المشركين .فحمل على عساكر الروم كأنه النار المحرقة، فزعزع كتائبهم وحطم مواكبهم ثم غاب في وسطهم فما كانت إلا جولة الجائل حتى خرج وسنانه ملطخ بالدماء من الروم وقد قتل رجالاً وجندل أبطالاً وقد عرّض نفسه للهلاك ثم اخترق القوم غير مكترث بهم ولا خائف وعطف على كراديس الروم.

فقلق عليه المسلمون وقال رافع بن عميرة: ليس هذا الفارس إلاّ خالد بن الوليد ، ثم أشرف عليهم خالد ، فقال رافع : من الفارس الذي تقدم أمامك فلقد بذل نفسه ومهجته ؟ ، فقال خالد: والله أنني أشد إنكاراً منكم له، ولقد أعجبني ما ظهر منه ومن شمائله، فقال رافع : أيها الأمير إنه منغمس في عسكر الروم يطعن يميناً وشمالاً ، فقال خالد: معاشر المسلمين احملوا بأجمعكم وساعدوا المحامي عن دين الله، فأطلقوا الأعنة وقوموا الأسنة والتصق بعضهم ببعض وخالد أمامهم ونظر إلى الفارس فوجده كأنه شعلة من نار والخيل في إثره، وكلما لحقت به الروم لوى عليهم وجندل فحمل خالد ومن معه ، ووصل الفارس المذكور إلى جيش المسلمين ، فتأملوه فرأوه وقد تخضب بالدماء، فصاح خالد والمسلمون: لله درك من فارس .. بذل مهجته في سبيل الله وأظهر شجاعته على الأعداء .. اكشف لنا عن لثامك، فمال عنهم ولم يخاطبهم وانغمس في الروم ، فتصايحت به الروم من كل جانب وكذلك المسلمون وقالوا: أيها الرجل الكريم أميرك يخاطبك وأنت تعرض عنه، اكشف عن اسمك وحسبك لتزداد تعظيماً . فلم يرد عليهم جواباً ، فلما بعد عن خالد سار إليه بنفسه وقال له: ويحك لقد شغلت قلوب الناس وقلبي بفعلك ، من أنت ؟

فلما ألح خالد خاطبه الفارس من تحت لثامه بلسان التأنيث وقال: إنني يا أمير لم أعرض عنك إلاّ حياءً منك لأنك أمير جليل وأنا من ذوات الخدور وبنات الستور، فقال لها: من أنت ؟ فقالت: خولة بنت الأزور وإني كنت مع بنات العرب وقد أتاني الساعي بأن ضراراً أسير فركبت وفعلت ما فعلت، قال خالد: نحمل بأجمعنا ونرجو من الله أن نصل إلى أخيك فنفكه.

قال عامر بن الطفيل: كنت عن يمين خالد بن الوليد حين حملوا وحملت خولة أمامه وحمل المسلمون وعظم على الروم ما نزل بهم من خولة بنت الأزور ، وقالوا: إن كان القوم كلهم مثل هذا الفارس فما لنا بهم طاقة.

وجعلت خولة تجول يميناً وشمالاً وهي لا تطلب إلاّ أخاها وهي لا ترى له أثراً، ولا وقفت له على خبر إلى وقت الظهر. وافترق القوم بعضهم عن بعض وقد أظهر الله المسلمين على أعدائهم وقتلوا منهم عدداً عظيماً.

أسر النساء

ومن مواقفها الرائعة موقفها يوم أسر النساء في موقعة صحورا( بالقرب من مدينة حمص السورية ) . فقد وقفت فيهن ، وكانت قد أسرت معهن، فأخذت تثير نخوتهن، وتضرم نار الحمية في قلوبهن، ولم يكن من السلاح شيء معهن. فقالت: خذن أعمدة الخيام، وأوتاد الأطناب، ونحمل على هؤلاء اللئام، فلعل الله ينصرنا عليهم ، فقالت عفراء بنت عفار: والله ما دعوت إلاّ إلى ما هو أحب إلينا مما ذكرت. ثم تناولت كل واحدة منهن عموداً من عمد الخيام، وصحن صيحة واحدة. وألقت خولة على عاتقها عمودها، وتتابعن وراءها، فقالت لهن خولة: لا ينفك بعضكن عن بعض ومن كالحلقة الدائرة. ولا تتفرقن فتملكن ، فيقع بكن التشتيت، واحطمن رماح القوم، واكسرن سيوفهم. وهجمت خولة وهجمت النساء من ورائها، وقاتلت بهن قتال المستيئس المستميت، حتى استنقذتهن من أيدي الروم، وخرجت وهي تقول:

نحن بنـات تبـع وحمير وضربنا في القوم ليس ينـكر

لأننا في الحرب نار تستعر اليوم تسقون العذاب الأكبر.

صلاح 1985
03-11-2004, 07:15
رابعة العدوية
رابعه العدوية، بصرية، زاهدة، عابدة، خاشعة، امرأة عاشت حياتها عكس سائر الناس، انعزلت في دنيا التصوف بعيدة عن أمور الدنيا، ألف الباحثون في تحديد هويتها وسيرة حياتها، وقد مزجوها برابعةالشامية وهي صوفية من الشام جاءت بعد رابعة العدوية الشخصية التي أول من عرف، ووضع معنى للحب الإلهي عند المسلمين، وتأثر فيها الكثيرون.

نسبها:

كما ذكر أن آراء الباحثين لم تتفق على تحديد هوية رابعة، فالبعض يرون أنها مولاة لآل عتيق، وآل عتيق بطن من بطون قيس، والبعض الآخر يرون أن من آل عتيق بني عدوة ولذا تسمى العدوية. وأما كنيتها فأم الخير..وقيل إن اسم رابعة يعود إلى أنها ولدت بعد ثلاث بنات لأبيها، عاشت في البصرة خلال القرن الثاني الهجري، وقد عمرت حوالي ثمانين عاماً، وتوفيت سنـــة هجرية.

نشأتها:

ذكر المؤرخ الصوفي فريد الدين العطار في (تذكرة الأولياء) بأن رابعة: ولدت في بيت فقير جداً، وتوفي أبوها وهي في مرحلة الطفولة، ولحقت به أمها فذاقت رابعة مرارة اليتم الكامل، وبذلك أطلق الشقاء عليها وحرمت من الحنان والعطف والحب الأبوي. بعد وفاة والديها غادرت رابعة مع أخواتها البيت بعد أن دب البصرة جفاف وصل إلى حد المجاعة ثم فرق الزمن بينها وبين أخواتها، وبذلك أصبحت رابعة وحيدة مشردة لا معيل لها ولا نصير .( )

حياتها:

اختلفت الآراء حول أن رابعة عاشت حياتها بلا بيت، وبلا مال، وبلا زواج ، غير أنه يبدو أن رابعة كانت مولاة، وكانت تعزف الناي ثم كانت مغنية، (هذا ما قاله العطار)، وأنها كانت على قدر من الجمال والحسن، وقد نقل اليافعي نص بعض الصالحين" خطر لي أن أزور رابعة العدوية -رضي الله تعالى عنها - وأنظر أصادقة هي في دعواها أم كاذبة، فبينما أنا كذلك، وإذا بفقراء قد أقبلوا ووجوههم كالأقمار ورائحتهم كالمسك، فسلموا علي وسلمت عليهم. وقلت: من أين أقبلتم؟ فقالوا: يا سيدي حديثنا عجيب. فقلت لهم: وما هو. فقالوا نحن من أبناء التجار الممولين. فكنا عند رابعة العدوية - رضي الله عنها - في مصر (ولعلها البصرة) فقلت: وما سبب ذهابكم إليها فقالوا: كنا ملتهين بالأكل والشرب في بلدنا. فنقل لنا حسن رابعة العدوية وحسن صوتها. وقلنا لابد أن نذهب إليها ونسمع غناءها وننظر إلى حسنها، فخرجنا من بلدنا إلى أن وصلنا إلى بلدها؛ فوصفوا لنا بيتها، وذكروا لنا أنها قد تابت. فقال أحدنا: إن كان قد فاتنا حسن صوتها وغنائها، فما يفوتنا منظرها وحسنها. فغيرنا حليتنا، ولبسنا الفقراء، وأتينا إلى بابها. فطرقنا الباب فلم نشعر إلا وقد خرجت، وتمرغت بين أقدامنا وقالت: لقد سعدت بزيارتكم لي فقلنا لها: وكيف ذلك. فقالت: عندنا امرأة عمياء منذ أربعين سنة، فلما طرقتم الباب قالت: إلهي وسيدي بحرمة هؤلاء الأقوام الذين طرقوا الباب إلا ما رددت علي بصري. فرد الله بصرها في الوقت. قال: فعند لك نظر بعضنا إلى بعض وقلنا ترون إلى لطف الله بنا، لم يفضح سريرتنا فقال الذي أشار علينا بلبس الفقراء: والله لا عدت أقلع هذا اللباس من علي. وأنا تائب إلى الله - عز وجل - على يدي رابعة فقلنا له. ونحن وافقناك على المعصية، ونحن نوافقك على الطاعة والتوبة فتبنا كلنا على يديها. وخرجنا عن أموالنا جميعها، وصرنا فقراء- كما ترى".



تصوفها:

دخلت طريق العباد والزهاد..طريق البكاء والخوف، وطريق التهجد في الليالي الطوال، فكانت تحضر حلقات المساجد والأذكار فاتخذت حياتها في حلقات الذكر والوعظ والإرشاد ومغالبة النفس، فتعرفت على (حيونه) عابدة من أكبر عابدات البصرة، هذه المرأة أثرت في رابعة أشد التأثير، فكانت رابعة تزورها وتقضي الليل معها، فتخلوا بنفسها وتنشد:

راحتي يا إخوتي في خلوتي

وحبيبي دائماً في حضرتي

لم أجد لي عن هواه عوضا

وهواه في البرايا محنتي

حيثما كنت أشاهد حسنه

فهو محرابي، إليه قبلتي

إن أمت وجداً وما ثم رضا

وأعنائي في الورى! وأشقوتي



وقد أكدت خادمتها التي لازمتها طوال حياتها، عبدة بنت أبي شوّال، إذ قالت: " كانت لرابعة أحوال شتى: فمرة يغلب عليها الحب، ومرة يغلب عليها اليأس، وتارة يغلب عليها البسط، ومرة يغلب عليها الخوف"... ولكن العشق الإلهي كما رأينا يبقى طابعها المميز، ورائدها في تصوفها. فهذه أبيات في إنشادها العشق الإلهي:

فليتك تحلو والحياة مريرة

وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر

وبيني وبين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين

وكل الذي فوق التراب تراب.



وهناك الكثير من الأبيات التي تنشدها رابعة العدوية في الحب الإلهي.

رابعه والحج:

تجاوزت رابعة نطاق المحبة وصارت إلى مقام (الخلة)، أي مقام الإشراف على بحار الغيوب، فهي حجت أكثر من مرة، وذكر في المراجع أن رابعة قد حجت بيت الله حافية تمشي على الأقدام، آخذة بوصية عبدالله ابن عباس لبنيه عند موته فقد قال:( يا بني حجوا مشاة فإن للحاج الماشي بكل قدم يخطوها سبعمائة حسنة من حسنات الحرم. قيل وما حسنات الحرم؟ قال: الحسنة بمائة ألف(.

رابعة والمؤرخون:

اختلفت آراء المؤرخين بخصوص حياة رابعة، فظهرت أساطير وحكايات عن تلك المرأة وأغلبها من الخيال، والخلافات بين الشخصيات التي عايشت زمن رابعة العدوية أمثال: رياح بن عمر القيسي، سفيان الثوري، عبدالواحد بن زيد. ومن هؤلاء المؤرخون الجاحظ و العطار والمناوي والعديد منهم.

وقد بالغ العطار في كتابته عن رابعة العدوية، إذ كتب عنها في حادثة السوق (أنها في أحد الأيام، كانت رابعه تقضي حاجة لسيدها، رآها رجل غريب وظل ينظر إليها بنظرات شريرة، فخافت منه وهربت. إلا إنها تعثرت وهي تركض، فغميّ عليها، فلما استيقظت أخذت تناجي ربها( إلهي، أنا غريبة يتيمة، أرسف في قيود الرق. ولكن غميّ الكبير أن أعرف: أراضٍ عني أم غير راضٍ؟)..عندها سمعت صوتاً يقول لها( لا تحزني! ففي يوم الحساب يتطلع المقربون في السماء إليك، ويحسدونك على ما ستكونين فيه).. وعندها اطمأن قلبها لذلك الصوت الغيبي، فتنهض وتعود إلى بيت سيدها).

وهنا يعلق الدكتور سميح عاطف الزين حول حادثة السوق ويقول يريد العطار أن يلهمنا أن هنالك عناية إلهية خاصة تحيط حيات رابعه، ولكن العطار وقع في خطأ فادح، فالصوت الغيبي الذي سمعته رابعه من الحي يقرر غيباً لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، مع أن الوحي أياً كانت أنواعه وأشكاله، قد قطع عن الأرض بعد وفاة سيدنا محمد( صلى الله عليه وسلم).

ومن شطحات الصوفيين ومبالغاتهم وخروجهم عن المألوف والمعروف، يحكى أن إبراهيم بن أدهم ذهب إلى الحج ماشياً على قدميه، وكان يتوقف كل خطوة ليصلي ركعتين فبلغ الكعبة بعد أربعين عاماً.. وكان يقول: (غيري يسلك هذا الطريق على قدميه، أما أنا فأسلكه على رأسي)، ولما بلغها لم يجدها فبكى وقال:( وا أسفاه! أأظلم بصري حتى لم أعد أرى الكعبة؟). فسمع صوتاً يقول: ( يا إبراهيم! لست أعمى، لكن الكعبة ذهبت للقاء رابعة). فتأثر إبراهيم، ثم رأى الكعبة وقد عادت إلى مكانها..ثم شاهد رابعه تتقدم فقال لها: أي رابعه! يا لجلال أعمالك! ثم ما تلك الضجة التي تحدثينها في الدنيا؟ فالكل يقولون: ذهبت الكعبة للقاء رابعة!). فأجابته: ( يا إبراهيم! وما تلك الضجة التي تثيرها أنت في الدنيا بقضائك أربعين عاما حتى تبلغ هذا المكان؟؟ فالكل يقولون إبراهيم يتوقف في كل خطوة ليصلي ركعتين. فقال إبراهيم: ( نعم مضيت أربعين ربيعاً اجتاز هذه الصحراء)، فقالت رابعة: ( يا إبراهيم لقد جئت أنت بالصلاة، أما أنا فقد جئت بالفقر). ثم بكت طويلاً.

هذا ما قاله المؤرخون عنها؛ فمنهم من وقف معها ومنهم من وقف ضدها، فالبعض يراها تبالغ في تصوراتها وخيالها؛ لأنها اعتبرت أن تشوقها للجنة إنما يشكل خطيئة تقترفها، كما يروي عنها المناوي فيقول: ( دخل جماعة على رابعة يعودونها من مرضٍ ألم بها، فسألوها: ما حالك؟ قالت:والله ما عرفت لعلتي سبباً، عرضت عليّ الجنة فملت بقلبي لها، فأحسست أن مولاي غار عليّ فعاتبني، فله العتبى)..وهنا تعني أن الله عاتبها لهذا الميل؛ لأنه مولاها وحبيبها، فتابت وقررت ألا تعود إليه أبداً!.

........