رنوش
08-06-2003, 12:10
لا أدري...
ربما أكون المرأة الأكثر غرابة في هذا الكون، وربما لا أكون شيئا أصلا!... غمرتني النشوة وأنا أسمع طقطقة المطر على ذلك السقف الذي لا أدري هل يمكن لي تسميته بذلك؟…ورحت أضع تحت كل ثقب وعاء يستقبل القطرات المتساقطة، والتي بدت للحظة وكأنها شلال من الماء، ولا أدري لمَ ابتسمت؟!… أمن النشوة أم من الضجر؟
ورحت أجول بعيني في ذلك البيت المكون من غرفة ومتر مربع أمامها، كنا قد أسميناه ،تجاوزا، مطبخ وحمام… وأحمد الله على أنه لا يوجد إلا غرفة واحدة، وإلا لتمنيت أن يكون لي أكثر من يدين اثنتين لأتمكن من تدارك ما في السقف من ثقوب...
... نظرت إليه... كان شخيره عاليا، ... وللحظة فقد بدا عليّ النفور ... سامحني يا إلهي، فلم أقصد، لكنه هكذا… إنسان غريب، كان بدينا بعض الشيء، قسمات وجهه ليلكية، أو ربما لا تحمل أي لون ، صحيح أنه طيب القلب؛ لكنه لا يملك حتى إمكانية شراء مرتبة جديدة بدلا من تلك التي صارت بمثابة وليمة للفئران.. ألا يحق لي النفور منه؟ وكأنني لا أصدق أنه زوجي، دائما حلمت برجل أنيق طويل القامة، ذا عينين عسليتين، وكأن الله يعاقبني، وذلك عندما ربط مصيري بمصير هذا الإنسان…
وككل يوم كنت أنظر بتجاه أبنائي فأراهم يملأون السرير، حتى أنني كنت لا أجد مكانا أنام فيه، وأسأل نفسي أحيانا: أهم مسؤولون عن ضعفنا وقلة حيلتنا، أم نحن المسؤولون؟!… وأحمد الله على أنني لم أنجب إلا ثلاثة أطفال، وإلا لنمت في الشارع… وأضحك على نفسي، وكأن مشكلتنا تكمن في النوم فقط!.
وغريب ألا يوقظه صوت المطر، ويوقظه الصوت الخافت لضحكاتي.. حتى أنني صرت أشك بأنه يراقبني، وسرعان ما كنت أطرد تلك الفكرة من رأسي، فزوجي أبعد عن أن يفكر في ذلك. رفع رأسه المثقل عن الوسادة التي هي أقرب إلى قطعة قماش قديمة كالحة اللون، لقد نظر إليّ بعينين نصف مغمضتين، وكأنه يسألني لمجرد أن واجبه يحتم عليه ذلك: كم الساعة الآن؟… ألم تنامي بعد؟!…
وكأنه لا يدرك ما يقول، وإن أدرك فلا يعنيني ذلك، ولا أدري لمَ كذبت عليه، فالساعة تشير إلى الرابعة بعد منتصف الليل، ومع ذلك فقد قلت له بأنها لم تتجاوز الواحدة بعد!!… حتى وإن اكتشف تلك الكذبة، فقد كنت أعلم مقدار ما يحمله من سذاجة وقلة حيلة… فلا بأس إذن بأن يصدق كذبة أخرى!!..
دائما كنت أبحث عن تعليل لما يدور بداخلي من تناقضات، فأنا لا أكرهه، ولكني لا أحبه في الوقت ذاته... ربما لو كان يملك إمكانيات لحياة أفضل ... ربما ولو كان وسيما بعض الشيء... ربما… وربما… ... وسرعان ما أكتشف بان كل ما فكرت به هو مجرد مبررات لكرهي له... مسكين ذلك الرجل!...
واه... يا إلهي... من المسكين فينا؟… أنا لست سيئة، وهو أيضا… لم يكن قاسيا معي، لكنني أكره بدانته، وسترته القديمة … أكره تلك الرائحة التي تنبعث من فمه،… أكره أن أقف أمام جارتي بلباسها الأنيق في حين أنني لا أرتدي إلا سترة كالحة، وبيتي لا يصلح إلا حظيرة للدجاج... وأسأل نفسي: لمَ عليّ أن أتحمل كل هذا العبء؟!…
وغاب الليل بعد أن دعوت الله أن يغير الحال بأفضل منه، وككل يوم فقد قمت في الصباح لعمل الشاي الذي نغمس الخبز فيه، فيكون فطورنا المفضل والمعتاد... لا نملك المال لشراء الحليب... ولكن لا بأس، فأطفالي لا يعرفون الحليب، لذلك فلا خوف عليهم من أن يتمردوا...
هكذا كنت أدمدم دائما لإرضاء ضعفي... ومن تلك النافذة المشروخة كنت أراها في البلكون تنفض السجاد، أو تعلق غسيلها الأنيق بمشابك ملونة على حبال الغسيل، حتى المشابك الملونة أصبحت تغيظني منها… كان منظرها وكأنها تتباهى بكل ما تملك، وتسألني ويدها تعبث بالذهب المصفوف في يدها يكاد يصل إلى كوعها...
صباح الخير يا أم محمد... كان صوت المطر البارحة عاليا،حتى أنني قلقت على بيتكم...
ولم أدرِ بمَ يمكنني أن أجيبها... فأنا أعلم أنها لا تحبني، ولا يمكن لها أن تقلق عليّ ولو للحظة إلا إذا كان ذلك نوع من الاستفزاز لمشاعري... واختنقت الكلمات داخلي، حتى أنني نظرت إليها دون أن أجيبها بشيء... لقد كانت دائما مصدر إثارة لغضبي، دائما تذكرني بأنها هي من فاز بالحياة الأفضل، رغم أنها لم تكن جميلة مثلي، بل لم تكن تملك أي نوع من الجمال سوى أن زوجها كان أفضل من زوجي... لم يكن وسيما جدا، لكنه أنيق، حتى أن رائحة عطره كانت تملأ بيتي عند مروره في الشارع، ولا أنكر أنني ،في وقت من الأوقات، قد فشلت في التمييز بينه وبين زوجي لتشابههما في الشكل!... لكن شيئا ما كان يلهمني الصبر عليها... ... كنت أسمعهما ليلا يتجادلان ... وكثيرا ما علا صوتهما بالصراخ وسط سكون الليل، إذ لا يمكن لسكير مثله أن يحافظ على الهدوء... نعم، كنت أراه كل يوم وقد بزغ الفجر ولاحت أساريره الأولى... كنت أراه عائدا من الملاهي الليلية وهو يترنح... شكله فظيع، وكأنه شخص آخر لا يمت بصلة إلى ذلك الذي كنت أراه في النهار بمشيته المتباهية بعطره الفواح... لقد طغت رائحة الخمر على رائحة العطر، واستبدل السترة المخملية وربطة العنق الأنيقة بشيء آخر يحتار الوصف فيه، وكأنها من البالة ...
شيء ما في داخلي بدأ يتحرك... فالرجل الأنيق لم يعد أنيقا، والعطر الفواح لم يعد فواحا، والسعادة البادية على وجوه جيراني اتضح أخيرا أنها قشرة تغطي أطنانا من التعاسة... فصرت أكثر حنوا على مرتبتي المتآكلة، وسترة زوجي القديمة، ووسادته الكالحة... وصرت أسأل نفسي سؤالا واحدا باستمرار: هل آن الأوان لكي أشعر بالرضى؟!..
قصة من : صفاء السويركي
ربما أكون المرأة الأكثر غرابة في هذا الكون، وربما لا أكون شيئا أصلا!... غمرتني النشوة وأنا أسمع طقطقة المطر على ذلك السقف الذي لا أدري هل يمكن لي تسميته بذلك؟…ورحت أضع تحت كل ثقب وعاء يستقبل القطرات المتساقطة، والتي بدت للحظة وكأنها شلال من الماء، ولا أدري لمَ ابتسمت؟!… أمن النشوة أم من الضجر؟
ورحت أجول بعيني في ذلك البيت المكون من غرفة ومتر مربع أمامها، كنا قد أسميناه ،تجاوزا، مطبخ وحمام… وأحمد الله على أنه لا يوجد إلا غرفة واحدة، وإلا لتمنيت أن يكون لي أكثر من يدين اثنتين لأتمكن من تدارك ما في السقف من ثقوب...
... نظرت إليه... كان شخيره عاليا، ... وللحظة فقد بدا عليّ النفور ... سامحني يا إلهي، فلم أقصد، لكنه هكذا… إنسان غريب، كان بدينا بعض الشيء، قسمات وجهه ليلكية، أو ربما لا تحمل أي لون ، صحيح أنه طيب القلب؛ لكنه لا يملك حتى إمكانية شراء مرتبة جديدة بدلا من تلك التي صارت بمثابة وليمة للفئران.. ألا يحق لي النفور منه؟ وكأنني لا أصدق أنه زوجي، دائما حلمت برجل أنيق طويل القامة، ذا عينين عسليتين، وكأن الله يعاقبني، وذلك عندما ربط مصيري بمصير هذا الإنسان…
وككل يوم كنت أنظر بتجاه أبنائي فأراهم يملأون السرير، حتى أنني كنت لا أجد مكانا أنام فيه، وأسأل نفسي أحيانا: أهم مسؤولون عن ضعفنا وقلة حيلتنا، أم نحن المسؤولون؟!… وأحمد الله على أنني لم أنجب إلا ثلاثة أطفال، وإلا لنمت في الشارع… وأضحك على نفسي، وكأن مشكلتنا تكمن في النوم فقط!.
وغريب ألا يوقظه صوت المطر، ويوقظه الصوت الخافت لضحكاتي.. حتى أنني صرت أشك بأنه يراقبني، وسرعان ما كنت أطرد تلك الفكرة من رأسي، فزوجي أبعد عن أن يفكر في ذلك. رفع رأسه المثقل عن الوسادة التي هي أقرب إلى قطعة قماش قديمة كالحة اللون، لقد نظر إليّ بعينين نصف مغمضتين، وكأنه يسألني لمجرد أن واجبه يحتم عليه ذلك: كم الساعة الآن؟… ألم تنامي بعد؟!…
وكأنه لا يدرك ما يقول، وإن أدرك فلا يعنيني ذلك، ولا أدري لمَ كذبت عليه، فالساعة تشير إلى الرابعة بعد منتصف الليل، ومع ذلك فقد قلت له بأنها لم تتجاوز الواحدة بعد!!… حتى وإن اكتشف تلك الكذبة، فقد كنت أعلم مقدار ما يحمله من سذاجة وقلة حيلة… فلا بأس إذن بأن يصدق كذبة أخرى!!..
دائما كنت أبحث عن تعليل لما يدور بداخلي من تناقضات، فأنا لا أكرهه، ولكني لا أحبه في الوقت ذاته... ربما لو كان يملك إمكانيات لحياة أفضل ... ربما ولو كان وسيما بعض الشيء... ربما… وربما… ... وسرعان ما أكتشف بان كل ما فكرت به هو مجرد مبررات لكرهي له... مسكين ذلك الرجل!...
واه... يا إلهي... من المسكين فينا؟… أنا لست سيئة، وهو أيضا… لم يكن قاسيا معي، لكنني أكره بدانته، وسترته القديمة … أكره تلك الرائحة التي تنبعث من فمه،… أكره أن أقف أمام جارتي بلباسها الأنيق في حين أنني لا أرتدي إلا سترة كالحة، وبيتي لا يصلح إلا حظيرة للدجاج... وأسأل نفسي: لمَ عليّ أن أتحمل كل هذا العبء؟!…
وغاب الليل بعد أن دعوت الله أن يغير الحال بأفضل منه، وككل يوم فقد قمت في الصباح لعمل الشاي الذي نغمس الخبز فيه، فيكون فطورنا المفضل والمعتاد... لا نملك المال لشراء الحليب... ولكن لا بأس، فأطفالي لا يعرفون الحليب، لذلك فلا خوف عليهم من أن يتمردوا...
هكذا كنت أدمدم دائما لإرضاء ضعفي... ومن تلك النافذة المشروخة كنت أراها في البلكون تنفض السجاد، أو تعلق غسيلها الأنيق بمشابك ملونة على حبال الغسيل، حتى المشابك الملونة أصبحت تغيظني منها… كان منظرها وكأنها تتباهى بكل ما تملك، وتسألني ويدها تعبث بالذهب المصفوف في يدها يكاد يصل إلى كوعها...
صباح الخير يا أم محمد... كان صوت المطر البارحة عاليا،حتى أنني قلقت على بيتكم...
ولم أدرِ بمَ يمكنني أن أجيبها... فأنا أعلم أنها لا تحبني، ولا يمكن لها أن تقلق عليّ ولو للحظة إلا إذا كان ذلك نوع من الاستفزاز لمشاعري... واختنقت الكلمات داخلي، حتى أنني نظرت إليها دون أن أجيبها بشيء... لقد كانت دائما مصدر إثارة لغضبي، دائما تذكرني بأنها هي من فاز بالحياة الأفضل، رغم أنها لم تكن جميلة مثلي، بل لم تكن تملك أي نوع من الجمال سوى أن زوجها كان أفضل من زوجي... لم يكن وسيما جدا، لكنه أنيق، حتى أن رائحة عطره كانت تملأ بيتي عند مروره في الشارع، ولا أنكر أنني ،في وقت من الأوقات، قد فشلت في التمييز بينه وبين زوجي لتشابههما في الشكل!... لكن شيئا ما كان يلهمني الصبر عليها... ... كنت أسمعهما ليلا يتجادلان ... وكثيرا ما علا صوتهما بالصراخ وسط سكون الليل، إذ لا يمكن لسكير مثله أن يحافظ على الهدوء... نعم، كنت أراه كل يوم وقد بزغ الفجر ولاحت أساريره الأولى... كنت أراه عائدا من الملاهي الليلية وهو يترنح... شكله فظيع، وكأنه شخص آخر لا يمت بصلة إلى ذلك الذي كنت أراه في النهار بمشيته المتباهية بعطره الفواح... لقد طغت رائحة الخمر على رائحة العطر، واستبدل السترة المخملية وربطة العنق الأنيقة بشيء آخر يحتار الوصف فيه، وكأنها من البالة ...
شيء ما في داخلي بدأ يتحرك... فالرجل الأنيق لم يعد أنيقا، والعطر الفواح لم يعد فواحا، والسعادة البادية على وجوه جيراني اتضح أخيرا أنها قشرة تغطي أطنانا من التعاسة... فصرت أكثر حنوا على مرتبتي المتآكلة، وسترة زوجي القديمة، ووسادته الكالحة... وصرت أسأل نفسي سؤالا واحدا باستمرار: هل آن الأوان لكي أشعر بالرضى؟!..
قصة من : صفاء السويركي