المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكاية حبّ في زمن اللاحب


fawzi
08-06-2003, 05:34
على ضفة ذلك النهر, في ظلّ أشجار الجوز و الصفصاف, جلس ابن الزرّاع يتأمل المياه بسكينة و هدوء. فتى ربي بين الحقول حيث يتكلم كل شيء عن الحب. حيث الأغصان تتعانق, و الأزهار تتمايل, و الطيور تتشّبب. حيث الطبيعة بأسرها تكرز بالروح.
ابن عشرين رأى بالأمس على الينبوع صبية جالسة بين الصبايا فأحبها ثمّ علم أنّها ابنة الأمير فلام قلبه و شكا نفسه إلى نفسه, لكن الملامة لا تميل بالقلب عن الحبّ, و العزل لا يصرف النفس عن الحقيقة, والإنسان بين قلبه و نفسه كغصن لين في مهبّ ريح الجنوب و ريح الشمال.
نظر الفتى فرأى زهرة البنفسج قد نبتت بقرب زهرة الأقحوان , ثمّ سمع الهزار يناجي الشحرور, فبكى لوحدته و انفراده, ثمّ مرّت ساعات حبّه أمام عينيه مرور الأشباح فقال و عواطفه تسيل مع كلماته و دموعه :
- هو الحبّ يستهزئ بي : ها قد جعلني سخرية و قادني إلى حيث الآمال تعد عيوباً و الأماني مذلّة. الحب الذي عبدته قد رفع قلبي إلى قصر الأمير و خفض منزلتي إلى كوخ الزرّاع و سار بنفسي إلى جمال حوريّة يحيط بها الرجال و يحميها الشرف الرفيع ... أنا طائع أيّها الحب فماذا تريد؟ قد اتبعتك على سبل ناريّة فلذعني اللهيب. قد فتحت عيني فلم أرَ غير الظلمة , و أطلقت لساني فلم أتكلّم بغير الأسى. قد عانقني الشوق أيّها الحبّ بمجاعة روحيّة لن تزول بغير قبل الحبيب. أنا الضعيف أيّها الحبّ فلم تخاصمني و أنت القوي ؟ لماذا تظلمني و أنت العادل و أنا البريء؟ لماذا تذلني و لم يكن غيرك ناصري؟ لماذا تتخلّى عني و أنت موجدي؟ إن جرى دمي بغير مشيئتك فاهرقه, و إن تحركت قدماي على غير طرقك فشلهما. افعل مشيئتك بهذا الجسد و خلِّ نفسي تفرح بهذه الحقول المستأمنة بظل جناحيك... الجداول تسير إلى حبيبها البحر, و الأزهار تبتسم لعشيقها النور, و الغيوم تهبط نحو مريدها الوادي, و أنا و بي ما لا تعرفه الجداول و لا تسمع به الأزهار و لا تدركه الغيوم قد رأيتني وحيداً في محنتي, منفرداً عن التي لا تريدني جندياً في كتائب أبيها, ولا ترضاني خادماً في قصرها.
وسكت الفتى هنيهة كأنّه يريد أن يتعلّم الكلام من خرير النهر و حفيف أوراق الغصون, ثم عاد فقال:
- و أنتِ يا من أخاف من اسمها أن أدعوها باسمها, أيّتها المحجوبة عني بستائر العظمة و جدران الجلال, أيّتها الحوريّة التي لا أطمع بلقائها إلاّ في الأبدية حيث المساواة, يا من تطيعها الصوارم و تنحني أمامها الرقاب و تنفتح لها الخزائن و المساجد, قد ملكت قلباً قدسه الحبّ و استبعدت نفساً شرّفها الله و خلبت عقلاً كان بالأمس حرّاً بحرية هذه الحقول فصار اليوم أسيراً بقيود هذا الغرام. رأيتكِ أيّتها الجميلة فعرفت سبب مجيئي إلى هذا العالم, و لما عرفت رفعة منزلتكِ و نظرت إلى حقارتي علمت أن للآلهة أسراراً لا يعرفها الإنسان, و سبلاً تذهب بالأرواح إلى حيث المحبّة تقضي بغير الشرائع البشريّة.
أيقنت لما نظرت إلى عينيكِ أن هذه الحياة فردوس بابه القلب البشري, و لما رأيت شرفكِ و ذليّ يتصارعان صراع مارد و رئبال علمت أن هذه الأرض لم تعد موطناً لي.
ظننت لما وجدتكِ جالسة بين نسائكِ, كوردة بين الرياحين, أن عروس أحلامي قد تجسّدت و صارت بشراً مثلي, و لما تخبرت مجد أبيكِ وجدت أن دون اجتناء الورد أشواكأً تدمي الأصابع, , إن ما تجمعه الأحلام تفرقه اليقظة...
و قام إذ ذاك و مشى نحو الينبوع منخفض الجناح كسير القلب مجسماً الأسى و القنوط بهذه الكلمات:
- تعالَ يا موت و انقذني, فالأرض التي تخنق أشواكها أزهارها لا تصلح للسكن. هلمَّ و خلصني من أيّام تخلع الحبّ عن كرسي مجده و تقيم الشرف العلي مكانه. خلّصني يا موت فالأبدية أجدر بلقاء المحبّين من هذا العالم. هناك يا موت انتظر حبيبتي و هناك أجتمع بها.
بلغ الينبوع و قد جاء المساء و أخذت الشمس تلمّ وشاحها الذهبي عن الحقل, فجلس يذرف الدموع على حضيض وطئته قدما ابنة الأمير و قد حنى رأسه على صدره كأنّه يمنع قلبه من الخروج.
في تلك الدقيقة ظهرت من وراء أشجار الصفصاف صبية تجرّ أذيالها على الأعشاب ووقفت بجانب الفتى ووضعت يدها الحريريّة على رأسه, فنظر إليها نظرة نائم أيقظه شعاع الشمس, فرأى ابنة الأمير واقفة حذاءه فجثا على ركبتيه, ولما أراد الكلام أرتج عليه فنابت عيناه الطافحتان بالدمع عن لسانه.
ثمّ عانقته الصبية و قبّلت عينيه راشفة المدامع السخينة و قال بصوت ألطف من نغمة الناي :
- قد رأيتكَ يا حبيبي في أحلامي و نظرت وجهكَ في وحدتي و انقطاعي, فأنت رفيق نفسي الذي فقدته و نصفي الجميل الذي انفصلت عنه عندما حكم عليّ بالمجيء إلى هذا العالم. قد جئت سرّاً يا حبيبي لألتقيك و ها أنتَ الآن بين ذراعي, فلا تجزع ! قد تركت مجد والدي لأتبعك إلى أقاصي الأرض و أشرب معك كأس الحياة و الموت. قد يا حبيبي فنذهب إلى البريّة البعيدة عن الإنسان.
و مشى الحبيبان بين الأشجار تخفيهما ستائر الليل و لا يخيفهما بطش الأمير و لا أشباح الظلمة.
هناك غي أطراف البلاد عثر روّاد الأمير على هيكلين بشريين في عنق أحدهما قلادة ذهبيّة و بقربهما حجر كتبت عليه هذه الكلمات :

قد جمعنا الحبّ فمن يفرّقنا , و أخذنا الموت فمن يرجعنا ؟


قمت بنقل هذه الحكاية عن كتاب للأديب العظيم جبران خليل جبران و الذي يضم عدد كبير من المقالات و القصص الوعظية و الرمزية, وبعض القصائد النثرية. و كان جبران قد كتبها لجريدة (المهاجر) ما بين عام 1903 و 1908 م , ثمّ جُمعت و نُشرت في كتاب واحد سنة1914.
و أترك لكم التعليق من منظوركم الشخصي... و لكم جزيل الشكر والامتنان...

رنوش
08-06-2003, 05:51
جمال هذه الرواية .. يفوق الوصف
وروعة هذا الأديب .. تفوق الوصف أيضا .. فهو الكاتب المفضل عندي .

أشكرك اخي فوزي من كل قلبي لما نقلته لنا .. وأتمنى .. ( ان استطعت ) أن تكتب لنا المزيد من روايات الاديب جبران خليل جبران .. :)

وكم أعجبتني هاتان العباراتان

** هو الحبّ يستهزئ بي : ها قد جعلني سخرية و قادني إلى حيث الآمال تعد عيوباً و الأماني مذلّة. **

** قد جمعنا الحبّ فمن يفرّقنا , و أخذنا الموت فمن يرجعنا ؟**

فعلا كلمات ساحرة و أوصاف قوية :)

fawzi
08-06-2003, 06:53
ِ:{أً رنا و أعدكي بالمزيد