المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أمام عرش الجمال


fawzi
09-06-2003, 02:03
نزولاً عند رغبة الأخت رنا و محبّتي للأديب جبران خليل جبران, قررت أن أخط لكم إحدى خواطره الرائعة والتي جئت بها من المصدر السابق ذكره في مشاركتي ( حكاية حب في زمن الاحب) ولكم جزيل الشكر على المتابعة الصادقة...!


أمام عرش الجمال



هربت من الاجتماع و همت في ذاك الوادي الواسع متّبعاً مجاري الجدول تارة مصغياً إلى محاورات العصافير طوراً, حتى بلغت مكانا ًحمته الأغصان من نظرات الشمس, فجلست أسامر وحدتي و أناجي نفسي. نفس ظامئة رأت كلّ ما يُرى سراباً و كلّ ما لا يرى شراباً..
ولما انطلقت عاقلتي من محبس المادة إلى فضاء الخيال التفتّ فإذا بفتاة واقفة على مقربة مني. حورية لم تتخذ من الحلي والحلل سوى غصن من الكرمة تستر به بعض قامتها و إكليل من الشفيق يجمع شعرها الذهبي... و إذ علمت من نظراتي أنّني صرت مسلوب الفجأة و الحيرة...
قالت: أنا ابنة الأحراج فلا تجزع...
قلت و قد ردّت حلاوة صوتها بعض رمقي : و هل يقطن من كان مثلكِ بريّة سكنتها الوحشة و الوحوش؟ قولي لي بعيشكِ من أنتِ و من أين أتيت؟
فقالت و قد جلست على الأعشاب:
أنا رمز الطبيعة, أنا العذراء التي عبدها آباؤك فبنوا لها مذابح و هياكل في بعلبك و أفقا و جبيل...
قلت : تلك الهياكل قد انهدمت و عظام أجدادي ساوت أديم الأرض و لم يبق من آثار آلهتهم و أديانهم سوى صفحات قليلة في بطون الكتب.
قالت : بعض الآلهة يحيون بحياة عبادهم و يموتون بموتهم. بعضهم يحيون بألوهيّة أزليّة أبديّة... أما ألوهيّتي فهي مستمدّة من جمال تراه كيفما حوّلت عينيك.. جمال هو الطبيعة بأسرها.. جمال كان بدء سعادة الراعي بين الرُّبى, والقروي بين الحقول, والعشائر الرحل بين الجبل و الساحل.. جمال كان للحكيم مرقاةً إلى عرش الحقيقة لا تجرح.
قلت و دقّات قلبي تقول ما لا يعرفه اللسان : إنّ الجمال قوّة مخيفة رهيبة...
فقالت و على شفتيها ابتسامة الأزهار و في نظرها أسرار الحياة: أنتم البشر تخافون كلّ شيء حتى ذواتكم.. تخافون السماء وهي منبع الأمان.. تخافون الطبيعة و هي مرقد الراحة.. و تخافون إله الآلهة و تعزون إليه الحقد و الغضب و هو إن لم يكن محبّة ورحمة لم يكن شيئاً...
و بعد سكينة مازجتها الأحلام اللطيفة سألتها: ما هذا الجمال؟ فقد تباين الناس في تعريفه و معرفته مثلما اختلفوا بتمجيده و محبّته..
قالت: هو ما كان بنفسكَ جاذب إليه, هو ما تراه و تودّ أن تعطي لا أن تأخذ, هو ما شعرت عند ملقاه بأيدٍ ممدودة في أعماقك, هو ما تحسنه الأجسام محنة و الأرواح محنة, هو ألفة بين الحزن و الفرح, هو ما تراه محجوباً و تعرفه مجهولاً و تسمعه صامتاً, هو قوّة تبتدئ في قدس أقداس ذاتك و تنتهي في ما وراء تخيّلاتك....
واقتربت ابنة الأحراج مني ووضعت يدها المعطرة على عينيّ و لما رفعتها رأيتني وحيداً في ذلك الوادي, فرجعت و نفسي مردّدة :
إنّ الجمال هو ما تراه و تودّ أن تعطي لا أن تأخذ...

رنوش
09-06-2003, 02:25
اخي فوزي .. أُكبر فيك هذا الذوق الرفيع في انتقاء هذه المختارات الرائعة .
واشكرك لأنك وعدتني بالمزيد .. وها انت تنفذ وعدك .
أنا سعيدة جدا بهذه المشاركات .. وأستمتع بقراءتها لأن كل كلمة تعني لي شيئا و تضيف لي شيئا .. فهي بالنهاية كلمات سحرية أخّاذة تنتشلنا قليلا من واقعنا المادي والقاسي .. وتدخلنا الى عالم المشاعر الانسانية الراقية .. وكلمات الأديب جبران خليل جبران نابعة من القلب .. وتدخل القلب .

:)

fawzi
09-06-2003, 02:33
أختي رنا: لم أعدكي بالمزيد إلاّ لأني مدرك تمام الادراك مدى تقديركِ لهذا الأديب الجليل
وستجدين الكثير فما يزال لدي الكثير لأنقله إليكِ و إلى كل الأخوة..
شكراً على متابعتك.. و شكراً على وصفي بالذوق الرفيع فهذه شهادة أقدرها و أعتزّ بها...