المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دمعة و ابتسامة


fawzi
13-06-2003, 12:36
دمعة و ابتسامة


لمت الشمس أذيالها عن تلك الحدائق الناضرة و طلع القمر من وراء الأفق و سكب عليها نوراً لطيفاً و أن جالس هنالك تحت الأشجار أتأمّل انقلاب الجو من حالة إلى حلة و أنظر من خلال الأغصان إلى النجوم المنثورة كالدراهم على بساط أزرق وأسمع من بعيد خرير جداول الوادي.
ولما استأمنت الطيور بين القضبان المورقة و أغمضت الأزهار عيونها و سادت السكينة سمعت وقع أقدام خفيفة على الأعشاب, فحوّلت نظري و اذا بفتى و فتاة يقتربان مني, ثمّ جلسا تحت شجرة غضّة و أنا أراهما و لا اُرى.
و بعيد أن تلفّت الفتى إلى كلّ ناحية سمعته يقول:
اجلسي بجانبي يا حبيبتي و اسمعيني. ابتسمي لأن ابتسامتكِ هي رمز مستقبلنا, وافرحي لأن الأيام قد فرحت من أجلنا. حدثـتني نفسي بالشك الذي يخامر قلبك و الشك في الحب إثم يا حبيبتي. عن قريب تصيرين سيدة هذه الأملاك الواسعة التي ينيرها ذلك القمر الفضي, و ربة هذا القصر المضاهي قصور الملوك, تجركِ خيولي المطهّمة في المتنزهات و تذهب بك مركباتي الجميلة إلى المراقص و الملاهي. ابتسمي يا حبيبتي كما يبتسم لذهب في خزائني, و ارمقيني كما ترمقني جواهر والدي. اسمعي يا حبيبتي فقد أبى قلبي إلاّ أن يسكب أمامك مخبآته. أمامنا سنة العسل. سنة نصرفها مع الذهب الكثير على شواطئ بحيرات سويسرا و في متنزهات إيطاليا وقرب قصور النيل و تحت أرز لبنان. سوف تلتقين الأميرات و السيدات فيحسدنكِ على حلاك و ملابسك. كل ذلك لكِ مني. فهلاّ رضيت؟
آه مــا أحلى ابتســـــــامكِ ! ابتســــــامكِ يحاكي ابـــــتسام دهـري.
و بعد قليل رأيتهما يمشيان على مهل و يدوسان الأزهار بأقدامهما كما تدوس قدم الغني قلب الفقير.
غابا عن بصري و أنا أفكّر بمنزلة المال عند الحب. أفكّر بالمال مصدر شرور الإنسان و بالحب منبع السعادة و النور.
ظللت تائهاً في مسارح هذه الأفكار حتى لمحت شبحين مرّا من أمامي و جلسا على الأعشاب. فتى و فتاة أتيا من جهة الحقول حيث أكواخ الفلاحين في المزارع. و بعد هنيهة من سكينة مؤثرة سمعت هذا الكلام صادراً مع تنهّـدات عميقة من فم مصدور: كفكفي الدمع يا حبيبتي. إنّ المحبّة التي شاءت ففتحت أعيننا و جعلتنا من عبادها تهبنا نعمة الصبر و التجلّـــد. كفكفي الدمع و تعزّي لأنّـنا تحالفنا على دين الحب, و من أجل احب العذب نحتمل عذاب الفقر و مرارة الشقاء و تباريح الفراق, ولابدّ لي من مصارعة الأيام حتى أظفر بغنيمة تليق بأن أضعها بين يديك تساعدنا على قطع مراحل العمر. إن المحبّة يا حبيبتي, و هي الله, تقـتبل منّـا هذه التنهّدات و هذه ادمع كبخور عاطر, و هي تكافئنا عليها بقدر ما نستحق. أودّعكِ يا حبيبتي فأنا راحل قبل أن يغيب القمر.
ثم سمعت صوتاً رقيقاً تقاطعه زفرات أنفاس ملتهبة, صوت عذراء لطيفة أودعته كل ما في جوارحها من حرارة الحب و مرارة التفرّق و حلاوة التجلّـد و تقول:
الوداع يا حبيبي...
ثم افترقا و أنا جالس تحت أغصان تلك الشجرة تتجاذبني أيدي الشفقة و تتساهمني أسرار هذا الكون الغريب...!
و نظرت تلك الساعة نحو الطبيعة الراقدة و تأمّـلت ملياً فوجدت فيها شيئاً لا حدّ له و لانهاية. شيئاً لايشترى بالمال. وجدت شيئاً لا تمحوه دموع الخريف ولا يميته حزن الشتاء. شيئاً لا توجده بحيرات سويسرا و لا متنزهات إيطاليا. وجدت شيئاً يتجلّــد فيحيا في الربيع و يثمر في الصيف. و جدت فيها المحبّة...

جبران خليل جبران

رنوش
14-06-2003, 02:11
كلما قرأت أكثر لجبران خليل جبران ...
كلما تأكدت فعلا بأنه انسان عظيم.. مُحب .. وراق بكل معنى الكلمة .. وفوق كل شئ .. انسان احترم المرأة و قدّرها.. فلم أقرأ له وصفا يخدش حياءها او يقلل من قيمتها كما يفعل البعض .. فاستطاع باسلوبه أن يصل الى احساسها وقلبها بكل بساطة و ذكاء .

شكرا فوزي .. :)

fawzi
14-06-2003, 09:58
لقد أحب جبران الطبيعة و أحب المرأة و جعلها رمزاً للجمال و الحب والصفاء....

همام
15-06-2003, 03:59
يقول جبران الحياة دمعــة وابتسامة .
أما تلك الحياة التي أحياها بصحبة ضميري وقلبي فهي ليست إلا وعاء عتيق مملوء بالدموع..لا ابتسامة تشفي جرح القلب ولا حياة حرة سعيدة تريح النفس وتشفي غليل الروح...كل شيء اصبح عبارة عن مستنقعات جثث...كل شيء اصبح بمثابة جسد مريض تتلاشى انفاسه، كل شيء اصبح ذكريات ذائبة في بركة نائية...الكل يصرخون..الكل يعولون كالذئاب..يقولون لا للحقيقة....لا للحب...لا لكل شيء جميل..لا للقلب.

fawzi
15-06-2003, 09:59
شكراً همام على اغنائكِ لموضوعي بمشاركة طيبة منك..