**هبة الله**
20-07-2003, 06:11
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
التحليل السياسي،والفهم السياسي، والقيادة السياسية
نعم إن التفكير السياسي المتعلق بالوقائع والأحداث والأخبار هو من أرقى وأصعب انواع التفكير. لأنه متعلق بفهم الناس، وخباياهم، وتصرفاتهم، وأهدافهم، وعلاقاتهم، وبرغباتهم وأهوائهم. فهو ليس متعلقاً بفهم نصوص أدبية، أو فكرية، أو سياسية نظرية، أو شرعية وفقهية حتى تفهم هذه النصوص بدلالاتها اللغوية، ولكنه، أي التفكير السياسي، متعلق بفهم الوقائع، ويتطلب سبر أغوار الناس، ومعرفة أهدافهم، ومراميهم الحقيقية. فالناس كثيراً ما يخفون أهدافهم ومراميهم، وهم يسعون لتحقيق مصالحهم، ويقيمون علاقات فيما بينهم. ويتطلب التفكير السياسي تتبع الأحداث يومياً فإذا ضاع خبر واحد فإنه يسبّب ضياع حلقة من حلقات الحدث، فربما تسبب من جراء ذلك سوء فهم للحدث، أو أن يفهم بعكس معناه الحقيقي. ويتطلب أيضاً دوام اليقظة والانتباه حتى لا يقع الإنسان فريسة التضليل. ولهذا يجب الإحاطة بكل مايحدث في العالم ولا يكفي تتبع الأحداث الداخلية وأن تكون نظرته إلى أحداث العالم من زاوية معينة حتى يتحقق لديه الوعي السياسي. فالتفكير السياسي المتعلق بالوقائع والأحداث والأخبار هو الذي يوجد الفهم السياسي ويقتضي التحليل السياسي. والتحليل السياسي يعتمد على تتبع الأحداث اليومية، وإسنادها إلى فهم الموقف الدولي مع ملاحظة الأوضاع الداخلية، وإدراك ما إذا كانت هذه الأوضاع مرتبطة بالموقف الدولي أم لا.
==========================================
ولقد عرف الموقف الدولي بأنه هيكل العلاقات القائمة بين الدول الفاعلة في المسرح الدولي، وهي التي تؤثر في سير الكرة الأرضية سياسياً. والدول الأخرى تسير نحو اتجاه سيرها وتسيّر علاقاتها معها حسبها. فاما ان تدور في فلكها او تسيّر مصالحها بالسير في تحقيق مصالح الدول الكبرى او تكون عميلة او تابعة. وقد عبر رئيس جمهورية تركيا السابق سليمان ديميريل عن ذلك بقوله (إن تركيا تدور في الاتجاه الذي تدور نحوه الكرة الارضية).
فمن هنا لزم للتحليل السياسي معرفة الدول الفاعلة في المسرح الدولي اي معرفة الدول الكبرى وعلى رأسها الدولة الكبرى الاولى. ولزم معرفة مبادئها واهدافها واساليبها ووسائلها. فهذه الدول هي التي تؤثر في غيرها من الدول فينشأ عن ذلك صيرورة دول عميلة او تابعة ودول تدور في الفلك ودول مستقلة ولكن تسيّر علاقاتها بالسير في تحقيق مصالح الدولة الكبرى. وهناك دول مستقلة تماما تحاول ان ترسم لها خطاً مستقلا وهي تتعامل مع الدول الكبرى وتحاول ان تستفيد من علاقاتها مع هذه الدول ومع الدول الصغرى.
ويلزم للتحليل السياسي معرفة اوضاع كل دولة داخليا عندما يتعلق الامر بها وذلك بمعرفة نظام الحكم فيها ونوع حكامها وتبعيتهم واحزابها وطبيعة شعبها. ويجب ادراك ان الموقف الدولي متبدل ومتغير، فربما يثبت لفترة زمنية طويلة تدوم عشرات السنين أو قصيرة تستمر لبضع سنوات ولكنه يتبدل ويتغير ببطء إما بتغيرات داخلية وفكرية وسياسية كما حصل مع الاتحاد السوفياتي، وإما بحدوث حروب كبرى كما حدث مع ألمانيا في الحرب العالمية الثانية. وأما الأساليب التي تتخذها الدول فهي متغيرة ومتبدلة بسرعة، ولكن الخطط التي ترسمها الدول أكثر ديمومة من الأساليب مع ملاحظة إمكانية تغيرها في اي لحظة.
كانت الدول المؤثرة في الموقف الدولي هي أميركا، الدولة الاولى، والاتحاد السوفياتي، ولكن عندما سقط الاتحاد السوفياتي وسقط مبدؤه معه عام 1991 أصبحت أميركا هي المؤثرة الفاعلة في الموقف الدولي منذ ذلك التاريخ حتى هذه الساعة مع ملاحظة محاولات الاتحاد الأوروبي أو بعض دوله في أن تتبوأ مقعدا بجانب أميركا للمشاركة في إدارة شؤون العالم ومقاسمة النفوذ، وقد تركت هذه المحاولات أثراً في جعل أميركا تعطيها بعض الاهتمام فقامت أميركا بالتحايل عليها فشاركتها تحت مظلتها بمسميات مختلفة.
فمن لا يدرك التغيرات في الموقف الدولي وفي العلاقات الدولية وفي تغيير الاساليب والوسائل والخطط يجمد في فهمه السياسي ولا يمكن ان يقدر على تحليل الاحداث ولا يمكن ان يخرج فهمه صحيحا. ويجب ان تدرك التغيرات الداخلية التي تحصل في الدول من بروز قوى سياسية واضمحلال اخرى والى غير ذلك مما يتعلق بالأمور الداخلية مع الانتباه اذا ما كانت مرتبطة بالتغيرات الخارجية ام هي داخلية بحتة. فمثلا الهند حكمها حزب المؤتمر لمدة خمسين سنة وكان وما زال حزبا انجليزيا فكانت الهند تابعة للانجليز ولكن عندما وصل فاجبايه وهو عميل أميركي على رأس التحالف الوطني الديموقراطي المكون من حزبه حزب بهارتيا مع تحالف أربعة وعشرين حزبا آخر عام 1998 الى الحكم تحولت الهند الى أميركا.
قلنا إن الفهم السياسي يعتمد على التحليل السياسي ولكن هذا التحليل ربما يكون صحيحا في يوم، وفي اليوم التالي يتبدل كل شيء فيتغير التحليل. فمثلاً عندما اندلع القتال قبل السنة الماضية في كشمير بين الهند والباكستان حلل هذا الحدث بان أميركا ارادت حربا طويلة الأمد بين البلدين ولكن هذا لم يحدث فلا يقال رأساً إن هذا التحليل كان خطأً، وانما حدث هناك تغيير فوقفت الخطة الأميركية لفترة من الزمن ربما تطول لعدة سنوات. ففاجبايه في الهند عميل لأميركا، وكان في الباكستان نواز شريف وهو عميل أميركي. ولكن عندما قام وفد عسكري من أميركا رفيع المستوى وزار الهند واجتمع مع عسكريين هنود تبدل كل شيء فعندئذ دعا كلينتون نواز شريف الى واشنطن وبعد الاجتماع معه طلب منه ان يوعز لقادة جيشه بوقف الحرب ولم يتركه يعود الى الباكستان ويبلغهم هناك فنفذ نواز شريف كل شيء وهو في واشنطن. فكأن أميركا قالت للعساكر الهنود ان الباكستان خاتم في اصبعي متى اريد ان اشعل الحرب اشعلها ومتى اريد ان اطفئها اطفئها. فرئيس وزراء الهند الحالي وان كان عميلا أميركيا ووصل الى الحكم عن طريق الانتخابات ولكن المؤسسة العسكرية الهندية انجليزية كما في تركيا. ففي الحروب عادة تصبح للعسكريين كلمة في الدول المتأخرة ويكون تدخلهم اكبر. فعندما وقفت الحرب سكت العسكريون وسكت حزب الانجليز حزب المؤتمر. فبعد ذلك دعمت أميركا عميلها في الهند ويظهر أن نفوذها قد قوي وهذا سيمكنها من اختراق الجيش. وايقاف الحرب لم يؤثر على عملائها في الباكستان لأن لها رجالاً في الوسط السياسي في هذا البلد ولها تحكم في الجيش الباكستاني, فإنها قادرة على استبدال عميل بعميل آخر. وبالفعل قامت واستبدلت نواز شريف وأتت بمشرف على رأس الجيش ليظهر وكأنه ينقذ سمعة البلد ومن ثم تحميل المسؤولية عما حدث في كشمير للعميل السابق.
ولهذا نستطيع ان نقول ان التحليل السياسي ربما يكون صحيحا في يوم وبعد يوم يتبدل لان الامور انقلبت راسا على عقب. ولهذا لا يقال فورا ان التحليل السياسي كان خطأ، ربما كان ذلك وربما لم يكن كذلك. فيجب الانتباه، لأنه ربما تبدلت الخطة او جرى عليها تعديل او انها قد أجلت او ان الهدف قد تحقق فلم يعد داع لها.
ولهذا كان التفكير السياسي في الاحداث والوقائع والاخبار من اصعب واعقد الامور فهو يحتاج إلى فهم دقيق للأحداث وسبر عميق للوقائع والأخبار. فقد يسير أحد العملاء في خطة ما ثم يغيرها إلى خطة أخرى حسب المقتضيات السياسية التي يتبعها، فمثلاً قد كان عرفات كعميل إنجليزي يسير في تنفيذ الخطة الإنجليزية لقضية فلسطين حيث كان ينادي بدولة علمانية في كل فلسطين تجمع اليهود والنصارى والمسلمين في الحكم على غرار صيغة لبنان. ثم سار في الخطة الأميركية منذ عام 1974 فأصبح ينادي بدولة فلسطينية في الضفة وغزة. ولما سئل عن حدوث هذا التغيير أجاب بأنه لم يكن يعلم من هو المسيطر في المنطقة، وفي مناسبة أخرى أجاب بان السادات والاسد قالا له اذا لم يقبل بالدولة الفلسطينية في الضفة وغزة فان الملك حسين سياخذهما. وبعد ان قبل عرفات بذلك اي بالمشروع الأميركي هذا قبلت منظمته بشخصه في تلك السنة في الجامعة العربية ومن ثم قبلت في منظمة المؤتمر الاسلامي وفي نفس السنة ايضا اي سنة 1974 قبلت في الامم المتحدة على اساس ان هذه المنظمة بقيادة عرفات هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. ودخلها عرفات حاملاً غصن الزيتون أي دخلها مستسلماً وقابلاً بوجود كيان لليهود في فلسطين.
وهذا يدفعنا لفهم بريطانيا فانها بعد الحرب العالمية الثانية خرجت محطمة الاضلاع، فالتدخل الأميركي الى جانبها هو الذي انقذها. ولكن لم يكن في حسبانها ان أميركا سوف لن تعود هذه المرة الى سياسة العزلة كما عادت بعد الحرب العالمية الاولى بعد ما نصرتها وانها، أي أميركا، سوف تدخل المسرح الدولي وتعلن منذ عام 1946 تخليها عن سياسة العزلة. ومنذ عام 1950 انفردت أميركا عن بريطانيا واتخذت لها سياسة معينة ومنافسة لها. وعندما قامت بريطانيا بالعدوان على مصر بالتحالف مع فرنسا والكيان اليهودي عام 1956 لاسترجاع مصر من أميركا هددتها أميركا فانسحبت إنجلترا وحلفاؤها في العدوان الثلاثي من هناك. فقررت بعد ذلك التاريخ عدم مواجهة أميركا مباشرة او الهجوم على المصالح الأميركية بشكل مباشر من طرفها. فصارت تسخر عملاءها للهجوم على المصالح الأميركية وعلى مناطق النفوذ الأميركي عسكريا وسياسيا. وفي عام 1961 قررت أميركا بالاتفاق مع الاتحاد السوفياتي إقصاء بريطانيا ومعها فرنسا عن المسرح الدولي وجعلهما دولاً صغرى وتصفية مستعمراتهما. فبقيت بريطانيا في الستينات والسبعينات حتى الثمانينات وهي تحاول المقاومة والحفاظ على مركزها كدولة كبرى وعلى مستعمراتها. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 ومنذ حرب الخليج الثانية رسمت إنجلترا لنفسها سياسة جديدة وهي السير مع أميركا ظاهراً في كل عمل دولي وأوعزت لعملائها بذلك، إلا إذا استطاعت ان تتفلت هي وعملاؤها من أميركا لتنفيذ خطة معينة، ولكن اذا كشفت سرعان ما ترجع وتقعد بجانب أميركا وتتظاهر بالسير معها. وهذا ما حدث في أوسلو فقد حاولت مع عملائها ان تتفلت من أميركا وتعمل في الخفاء اتفاقية أوسلو حتى لا تراها أميركا. ولكنها عندما انكشفت لم تظهر ردة فعل معينة خوفاً من أميركا. ففي القديم كانت بريطانيا تحرص على تنفيذ خططها وتحافظ عليها، ولكنها الآن لا تفعل مثل ذلك للسبب ذاته الذي ذكرناه.
وكذلك ابرمت اتفاقية وادي عربة بين عميلها حسين وبين الكيان اليهودي ولكن أميركا عندما رأت أن الامر سينفذ قامت على اعلى مستوى بالتحرك فقام رئيسها كلينتون بالذهاب الى هناك وتبني العملية حتى لايخرج شيء عن ارادة أميركا وحتى لا تعود إنكلترا للعمل مرة ثانية. وفي حرب تقسيم يوغسلافيا وبالاخص في مسألة البوسنة والهرسك حاولت انكلترة ان تقود أوروبا ولكن لم توفق وأفشلت أميركا خطة أوروبا. واعترف ممثل أوروبا لمسألة البوسنة والهرسك آنئذٍ وهو وزير خارجية بريطانيا الأسبق اللورد هيرد اعترف علناً بأن أميركا هي التي أفشلت خطة أوروبا وان أميركا تريد ان تبقى الزعيمة الوحيدة للعالم. فتأكد لبريطانيا انها لن تستطيع في ظل هذه الظروف ان تقف في وجه أميركا ولو مع أوروبا. ولهذا بقيت على سياستها الجديدة وهي التظاهر بالسير مع أميركا وموافقتها في كل شيء ظاهرا، والعمل في الخفاء ضدها ومحاولة التفلت منها كلما سنحت الفرصة.
ويحاول الاتحاد الأوروبي ان يكون قوة ثانية تنافس أميركا ولكن دون جدوى بسبب عدم توحد مواقف دوله، وتخوفهم على قومياتهم وتردد بعض دوله وميوعة البعض الآخر وعلى الأخص ميوعة الموقف البريطاني. أضف إلى ذلك أعمال أميركا لعرقلة مشروعهم هذا. ولقد اعترفت دول أوروبا بذلك في اجتماعها في بروكسل عام 1998 الذي عقدته للتداول في أسباب فشلها في يوغسلافيا فعزت اسباب ذلك إلى عدم توحد المواقف لدول أوروبا ولأن أميركا تريد ان تبقى قائدة أوروبا والعالم فعمدت أميركا إلى عرقلة المشروع الأوروبي. وعندما صارت دول أوروبا تنادي بتأسيس قوة أوروبية وبإنهاء الناتو قامت أميركا بعملية كوسوفا باسم الناتو وقامت بالعمل على توسيع الناتو.
التحليل السياسي،والفهم السياسي، والقيادة السياسية
نعم إن التفكير السياسي المتعلق بالوقائع والأحداث والأخبار هو من أرقى وأصعب انواع التفكير. لأنه متعلق بفهم الناس، وخباياهم، وتصرفاتهم، وأهدافهم، وعلاقاتهم، وبرغباتهم وأهوائهم. فهو ليس متعلقاً بفهم نصوص أدبية، أو فكرية، أو سياسية نظرية، أو شرعية وفقهية حتى تفهم هذه النصوص بدلالاتها اللغوية، ولكنه، أي التفكير السياسي، متعلق بفهم الوقائع، ويتطلب سبر أغوار الناس، ومعرفة أهدافهم، ومراميهم الحقيقية. فالناس كثيراً ما يخفون أهدافهم ومراميهم، وهم يسعون لتحقيق مصالحهم، ويقيمون علاقات فيما بينهم. ويتطلب التفكير السياسي تتبع الأحداث يومياً فإذا ضاع خبر واحد فإنه يسبّب ضياع حلقة من حلقات الحدث، فربما تسبب من جراء ذلك سوء فهم للحدث، أو أن يفهم بعكس معناه الحقيقي. ويتطلب أيضاً دوام اليقظة والانتباه حتى لا يقع الإنسان فريسة التضليل. ولهذا يجب الإحاطة بكل مايحدث في العالم ولا يكفي تتبع الأحداث الداخلية وأن تكون نظرته إلى أحداث العالم من زاوية معينة حتى يتحقق لديه الوعي السياسي. فالتفكير السياسي المتعلق بالوقائع والأحداث والأخبار هو الذي يوجد الفهم السياسي ويقتضي التحليل السياسي. والتحليل السياسي يعتمد على تتبع الأحداث اليومية، وإسنادها إلى فهم الموقف الدولي مع ملاحظة الأوضاع الداخلية، وإدراك ما إذا كانت هذه الأوضاع مرتبطة بالموقف الدولي أم لا.
==========================================
ولقد عرف الموقف الدولي بأنه هيكل العلاقات القائمة بين الدول الفاعلة في المسرح الدولي، وهي التي تؤثر في سير الكرة الأرضية سياسياً. والدول الأخرى تسير نحو اتجاه سيرها وتسيّر علاقاتها معها حسبها. فاما ان تدور في فلكها او تسيّر مصالحها بالسير في تحقيق مصالح الدول الكبرى او تكون عميلة او تابعة. وقد عبر رئيس جمهورية تركيا السابق سليمان ديميريل عن ذلك بقوله (إن تركيا تدور في الاتجاه الذي تدور نحوه الكرة الارضية).
فمن هنا لزم للتحليل السياسي معرفة الدول الفاعلة في المسرح الدولي اي معرفة الدول الكبرى وعلى رأسها الدولة الكبرى الاولى. ولزم معرفة مبادئها واهدافها واساليبها ووسائلها. فهذه الدول هي التي تؤثر في غيرها من الدول فينشأ عن ذلك صيرورة دول عميلة او تابعة ودول تدور في الفلك ودول مستقلة ولكن تسيّر علاقاتها بالسير في تحقيق مصالح الدولة الكبرى. وهناك دول مستقلة تماما تحاول ان ترسم لها خطاً مستقلا وهي تتعامل مع الدول الكبرى وتحاول ان تستفيد من علاقاتها مع هذه الدول ومع الدول الصغرى.
ويلزم للتحليل السياسي معرفة اوضاع كل دولة داخليا عندما يتعلق الامر بها وذلك بمعرفة نظام الحكم فيها ونوع حكامها وتبعيتهم واحزابها وطبيعة شعبها. ويجب ادراك ان الموقف الدولي متبدل ومتغير، فربما يثبت لفترة زمنية طويلة تدوم عشرات السنين أو قصيرة تستمر لبضع سنوات ولكنه يتبدل ويتغير ببطء إما بتغيرات داخلية وفكرية وسياسية كما حصل مع الاتحاد السوفياتي، وإما بحدوث حروب كبرى كما حدث مع ألمانيا في الحرب العالمية الثانية. وأما الأساليب التي تتخذها الدول فهي متغيرة ومتبدلة بسرعة، ولكن الخطط التي ترسمها الدول أكثر ديمومة من الأساليب مع ملاحظة إمكانية تغيرها في اي لحظة.
كانت الدول المؤثرة في الموقف الدولي هي أميركا، الدولة الاولى، والاتحاد السوفياتي، ولكن عندما سقط الاتحاد السوفياتي وسقط مبدؤه معه عام 1991 أصبحت أميركا هي المؤثرة الفاعلة في الموقف الدولي منذ ذلك التاريخ حتى هذه الساعة مع ملاحظة محاولات الاتحاد الأوروبي أو بعض دوله في أن تتبوأ مقعدا بجانب أميركا للمشاركة في إدارة شؤون العالم ومقاسمة النفوذ، وقد تركت هذه المحاولات أثراً في جعل أميركا تعطيها بعض الاهتمام فقامت أميركا بالتحايل عليها فشاركتها تحت مظلتها بمسميات مختلفة.
فمن لا يدرك التغيرات في الموقف الدولي وفي العلاقات الدولية وفي تغيير الاساليب والوسائل والخطط يجمد في فهمه السياسي ولا يمكن ان يقدر على تحليل الاحداث ولا يمكن ان يخرج فهمه صحيحا. ويجب ان تدرك التغيرات الداخلية التي تحصل في الدول من بروز قوى سياسية واضمحلال اخرى والى غير ذلك مما يتعلق بالأمور الداخلية مع الانتباه اذا ما كانت مرتبطة بالتغيرات الخارجية ام هي داخلية بحتة. فمثلا الهند حكمها حزب المؤتمر لمدة خمسين سنة وكان وما زال حزبا انجليزيا فكانت الهند تابعة للانجليز ولكن عندما وصل فاجبايه وهو عميل أميركي على رأس التحالف الوطني الديموقراطي المكون من حزبه حزب بهارتيا مع تحالف أربعة وعشرين حزبا آخر عام 1998 الى الحكم تحولت الهند الى أميركا.
قلنا إن الفهم السياسي يعتمد على التحليل السياسي ولكن هذا التحليل ربما يكون صحيحا في يوم، وفي اليوم التالي يتبدل كل شيء فيتغير التحليل. فمثلاً عندما اندلع القتال قبل السنة الماضية في كشمير بين الهند والباكستان حلل هذا الحدث بان أميركا ارادت حربا طويلة الأمد بين البلدين ولكن هذا لم يحدث فلا يقال رأساً إن هذا التحليل كان خطأً، وانما حدث هناك تغيير فوقفت الخطة الأميركية لفترة من الزمن ربما تطول لعدة سنوات. ففاجبايه في الهند عميل لأميركا، وكان في الباكستان نواز شريف وهو عميل أميركي. ولكن عندما قام وفد عسكري من أميركا رفيع المستوى وزار الهند واجتمع مع عسكريين هنود تبدل كل شيء فعندئذ دعا كلينتون نواز شريف الى واشنطن وبعد الاجتماع معه طلب منه ان يوعز لقادة جيشه بوقف الحرب ولم يتركه يعود الى الباكستان ويبلغهم هناك فنفذ نواز شريف كل شيء وهو في واشنطن. فكأن أميركا قالت للعساكر الهنود ان الباكستان خاتم في اصبعي متى اريد ان اشعل الحرب اشعلها ومتى اريد ان اطفئها اطفئها. فرئيس وزراء الهند الحالي وان كان عميلا أميركيا ووصل الى الحكم عن طريق الانتخابات ولكن المؤسسة العسكرية الهندية انجليزية كما في تركيا. ففي الحروب عادة تصبح للعسكريين كلمة في الدول المتأخرة ويكون تدخلهم اكبر. فعندما وقفت الحرب سكت العسكريون وسكت حزب الانجليز حزب المؤتمر. فبعد ذلك دعمت أميركا عميلها في الهند ويظهر أن نفوذها قد قوي وهذا سيمكنها من اختراق الجيش. وايقاف الحرب لم يؤثر على عملائها في الباكستان لأن لها رجالاً في الوسط السياسي في هذا البلد ولها تحكم في الجيش الباكستاني, فإنها قادرة على استبدال عميل بعميل آخر. وبالفعل قامت واستبدلت نواز شريف وأتت بمشرف على رأس الجيش ليظهر وكأنه ينقذ سمعة البلد ومن ثم تحميل المسؤولية عما حدث في كشمير للعميل السابق.
ولهذا نستطيع ان نقول ان التحليل السياسي ربما يكون صحيحا في يوم وبعد يوم يتبدل لان الامور انقلبت راسا على عقب. ولهذا لا يقال فورا ان التحليل السياسي كان خطأ، ربما كان ذلك وربما لم يكن كذلك. فيجب الانتباه، لأنه ربما تبدلت الخطة او جرى عليها تعديل او انها قد أجلت او ان الهدف قد تحقق فلم يعد داع لها.
ولهذا كان التفكير السياسي في الاحداث والوقائع والاخبار من اصعب واعقد الامور فهو يحتاج إلى فهم دقيق للأحداث وسبر عميق للوقائع والأخبار. فقد يسير أحد العملاء في خطة ما ثم يغيرها إلى خطة أخرى حسب المقتضيات السياسية التي يتبعها، فمثلاً قد كان عرفات كعميل إنجليزي يسير في تنفيذ الخطة الإنجليزية لقضية فلسطين حيث كان ينادي بدولة علمانية في كل فلسطين تجمع اليهود والنصارى والمسلمين في الحكم على غرار صيغة لبنان. ثم سار في الخطة الأميركية منذ عام 1974 فأصبح ينادي بدولة فلسطينية في الضفة وغزة. ولما سئل عن حدوث هذا التغيير أجاب بأنه لم يكن يعلم من هو المسيطر في المنطقة، وفي مناسبة أخرى أجاب بان السادات والاسد قالا له اذا لم يقبل بالدولة الفلسطينية في الضفة وغزة فان الملك حسين سياخذهما. وبعد ان قبل عرفات بذلك اي بالمشروع الأميركي هذا قبلت منظمته بشخصه في تلك السنة في الجامعة العربية ومن ثم قبلت في منظمة المؤتمر الاسلامي وفي نفس السنة ايضا اي سنة 1974 قبلت في الامم المتحدة على اساس ان هذه المنظمة بقيادة عرفات هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. ودخلها عرفات حاملاً غصن الزيتون أي دخلها مستسلماً وقابلاً بوجود كيان لليهود في فلسطين.
وهذا يدفعنا لفهم بريطانيا فانها بعد الحرب العالمية الثانية خرجت محطمة الاضلاع، فالتدخل الأميركي الى جانبها هو الذي انقذها. ولكن لم يكن في حسبانها ان أميركا سوف لن تعود هذه المرة الى سياسة العزلة كما عادت بعد الحرب العالمية الاولى بعد ما نصرتها وانها، أي أميركا، سوف تدخل المسرح الدولي وتعلن منذ عام 1946 تخليها عن سياسة العزلة. ومنذ عام 1950 انفردت أميركا عن بريطانيا واتخذت لها سياسة معينة ومنافسة لها. وعندما قامت بريطانيا بالعدوان على مصر بالتحالف مع فرنسا والكيان اليهودي عام 1956 لاسترجاع مصر من أميركا هددتها أميركا فانسحبت إنجلترا وحلفاؤها في العدوان الثلاثي من هناك. فقررت بعد ذلك التاريخ عدم مواجهة أميركا مباشرة او الهجوم على المصالح الأميركية بشكل مباشر من طرفها. فصارت تسخر عملاءها للهجوم على المصالح الأميركية وعلى مناطق النفوذ الأميركي عسكريا وسياسيا. وفي عام 1961 قررت أميركا بالاتفاق مع الاتحاد السوفياتي إقصاء بريطانيا ومعها فرنسا عن المسرح الدولي وجعلهما دولاً صغرى وتصفية مستعمراتهما. فبقيت بريطانيا في الستينات والسبعينات حتى الثمانينات وهي تحاول المقاومة والحفاظ على مركزها كدولة كبرى وعلى مستعمراتها. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 ومنذ حرب الخليج الثانية رسمت إنجلترا لنفسها سياسة جديدة وهي السير مع أميركا ظاهراً في كل عمل دولي وأوعزت لعملائها بذلك، إلا إذا استطاعت ان تتفلت هي وعملاؤها من أميركا لتنفيذ خطة معينة، ولكن اذا كشفت سرعان ما ترجع وتقعد بجانب أميركا وتتظاهر بالسير معها. وهذا ما حدث في أوسلو فقد حاولت مع عملائها ان تتفلت من أميركا وتعمل في الخفاء اتفاقية أوسلو حتى لا تراها أميركا. ولكنها عندما انكشفت لم تظهر ردة فعل معينة خوفاً من أميركا. ففي القديم كانت بريطانيا تحرص على تنفيذ خططها وتحافظ عليها، ولكنها الآن لا تفعل مثل ذلك للسبب ذاته الذي ذكرناه.
وكذلك ابرمت اتفاقية وادي عربة بين عميلها حسين وبين الكيان اليهودي ولكن أميركا عندما رأت أن الامر سينفذ قامت على اعلى مستوى بالتحرك فقام رئيسها كلينتون بالذهاب الى هناك وتبني العملية حتى لايخرج شيء عن ارادة أميركا وحتى لا تعود إنكلترا للعمل مرة ثانية. وفي حرب تقسيم يوغسلافيا وبالاخص في مسألة البوسنة والهرسك حاولت انكلترة ان تقود أوروبا ولكن لم توفق وأفشلت أميركا خطة أوروبا. واعترف ممثل أوروبا لمسألة البوسنة والهرسك آنئذٍ وهو وزير خارجية بريطانيا الأسبق اللورد هيرد اعترف علناً بأن أميركا هي التي أفشلت خطة أوروبا وان أميركا تريد ان تبقى الزعيمة الوحيدة للعالم. فتأكد لبريطانيا انها لن تستطيع في ظل هذه الظروف ان تقف في وجه أميركا ولو مع أوروبا. ولهذا بقيت على سياستها الجديدة وهي التظاهر بالسير مع أميركا وموافقتها في كل شيء ظاهرا، والعمل في الخفاء ضدها ومحاولة التفلت منها كلما سنحت الفرصة.
ويحاول الاتحاد الأوروبي ان يكون قوة ثانية تنافس أميركا ولكن دون جدوى بسبب عدم توحد مواقف دوله، وتخوفهم على قومياتهم وتردد بعض دوله وميوعة البعض الآخر وعلى الأخص ميوعة الموقف البريطاني. أضف إلى ذلك أعمال أميركا لعرقلة مشروعهم هذا. ولقد اعترفت دول أوروبا بذلك في اجتماعها في بروكسل عام 1998 الذي عقدته للتداول في أسباب فشلها في يوغسلافيا فعزت اسباب ذلك إلى عدم توحد المواقف لدول أوروبا ولأن أميركا تريد ان تبقى قائدة أوروبا والعالم فعمدت أميركا إلى عرقلة المشروع الأوروبي. وعندما صارت دول أوروبا تنادي بتأسيس قوة أوروبية وبإنهاء الناتو قامت أميركا بعملية كوسوفا باسم الناتو وقامت بالعمل على توسيع الناتو.