دنيا
25-07-2003, 06:10
الى متى؟؟
رسائل العراقيين التي لا تصل لأهلهم وذويهم....
بقلم :عبد الرحمن مجيد الربيعي
بعد نكبة العرب الكبري المتمثلة بالاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين المقدسة، عاش الشعب الفلسطيني محنة التشرد واللجوء خاصة اولئك الذين سلموا من عمليات الذبح التي كانت تقوم بها العصابات الصهيونية في مجازر منظمة ستظل وصمة عار في تاريخ هذا الكيان اللقيط الذي ابتز العالم كله بما تعرض له في سنوات النازية الألمانية. وما زال يفعل ذلك حتي يومنا هذا (سيطرته علي الاموال المودعة من قبل مجهولين في البنوك السويسرية، فما داموا مجهولين اذن هم من اليهود الذين لقوا حتفهم علي يد هتلر. ثم ما يطرح الان بشأن الممتلكات اليهودية في العراق تعود لحوالي مئة وعشرين ألف يهوديا هاجر القسم الاكبر منهم للكيان الجديد. والصحيح انهم هجروا كما سيكتشف لاحقا من خلال المعلومات والوثائق وذلك بالقاء متفجرات علي بيوتهم ومحلاتهم من قبل عملاء الصهاينة انفسهم لغرض تخويفهم حتي يسارعوا في الهجرة. وما دامت اموال العراق اليوم تحت هيمنة امريكا الراعية الاولي للكيان الصهيوني فان عملية الابتزاز ستتم وستذهب مليارات اخري من خيرات الشعب العراقي المحروم الي الصهاينة). لم يعرف الأب الفلسطيني مثلا اين اصبح ابناؤه، ولا الأخ أين اخوته؟ ولا الأم أين زوجها؟ كانوا أناسا تعرضوا للغدر وخيانة ابناء العمومة فلحق بهم التشرد، وفتحت لهم مخيمات اللجوء في سورية ولبنان والاردن والعراق. وهاجر البعض الي الخليج مع بداية ظهور النفط الذي تحول في اغلب الحالات من نعمة الي نقمة فلولاه هل كان ما حصل للعراق سيحصل وبهذا الشكل؟
آنذاك كانت احدي الاذاعات تبث برنامجا يوميا مؤلما وجارحا ما زلت اذكره واذكر عنوانه رسائل اللاجئين الي أهلهم وذويهم ، واسم هذه الاذاعة التي اتخذت من سفينة عائمة في المياه القبرصية مقرا لها ـ كما سمعت وقتها ـ اذاعة الشرق الادني وهي التي ستتحول بعد ذلك الي اذاعة لندن BBC وعندما توقف العمل فيها انتقل معظم العاملين فيها الي اذاعة بغداد وبينهم ام القصة القصيرة العربية الرائدة العظيمة سميرة عزام التي كانت تملك صوتا نادر السحر عندما تقرأ الشعر او نصوصها القصصية (حتي في سنوات اذاعة الشرق الادني)، وهناك تعرفت عليها وانصت اليها عن قرب مرارا (وهذا ما يحسدني عليه صديقي الروائي والمناضل رشاد ابو شاور). برنامج رسائل اللاجئين الي اهلهم وذويهم كان معدوه يدورون علي مخيمات اللجوء ويسجلون رسائل صوتية، أنا فلان الفلاني من قرية كذا أسأل عن اخوتي وأهلي وأود ان اعرف اخبارهم، وأنا موجود في مخيم كذا.. الخ. كان من يستمع الي تلك الرسائل تتقطع نياط قلبه ـ كما يقال ـ فغالبا ما ينفجر المتكلم او تنفجر المتكلمة بالبكاء. ومن يتماسك تغلبه نبرة الشجن المر في صوته التي لا تغيب عن اذني السامع.
بعد نكبة العرب الاولي عام 1948 في فلسطين تأتي نكبتهم الثانية عام 2003 اي بعد 55 سنة عندما يتم تدمير العراق ومن ثم احتلاله كاملا علي يد غزاة قادمين من وراء البحار. ورغم خطابهم الديمقراطي جدا فقد عاثوا بالبلد تخريبا، ولا تلتقط انوفهم الا رائحة واحدة هي رائحة النفط التي جاءت بهم وبأساطيلهم ومئات الألوف من جنودهم (ومن يدري فلعل نهاية هذه الامبراطورية المجنونة ومستنقعها الابدي سيكون في عراق الحضارات والنبل؟!) اكاد اتوقع هذا والادلة امامي.
وبعد 55 سنة يعاد ذلك البرنامج القديم ومن الاذاعة نفسها التي تحول اسمها الي اذاعة لندن او BBC ويضم هذه المرة رسائل من عراقيي الخارج الي عراقيي الداخل (هنا يثير الاستغراب عدم عودتهم الي بلدهم بعد زوال نظام الرئيس صدام وحلول الديمقراطية الامريكية محله! أليس هذا ما كانوا يريدونه، وما عبأوا افذاذ البنتاغون بالدعوة له فكان ان نفذوا مأربهم!).
امهات بسيطات لا يعرفن حتي الكلام. من ذهب بهن للسويد او كندا او استراليا او احدي ولايات امريكا؟ هل ذهبن الي هناك لانهن يعارضن النظام السابق؟! ام انهن زعيمات في احزاب معارضة فلماذا لا يرجعن والخيرات تعم؟ والوعود كثيرة؟ وغيوم الديمقراطية ستتحول الي فيضانات ستشمل حتي دول الجوار كلها.
كما قدمت احدي الفضائيات بعض الوقت برنامجا من بغداد يضم تسجيلات قصيرة لبعض العراقيين المقيمين في بغداد بشكل خاص ( الجزيرة) ثم توقفت عنه.
ان مأساة العراقيين اليوم تتمثل في كونهم لا يعرفون ما الذي جري لاهلهم المقيمين في العراق لا سيما وان السادية الامريكية قد تمادت في اذاها لدرجة انها اعدمت مراكز الاتصال تماما ولم تبق منها ما يمكن تصليحه، ليصبح عراقي الداخل مقطوعا عن عراقي الخارج. ولا يعرف اي منهما اخبار الآخر، من بقي حيا ومن أتي عليه القصف؟
لقد فعلوا هذا عامدين حتي يعطوها لشركات مقاولة امريكية تبدأ ببنائها من الصفر وبالطريقة التي تريدها ولكن متي يتم هذا؟ العلم عند بريمر واتباعه وادلائه ومترجميه ومسوقيه؟
بوجع دام اقول: ان كاتب هذه السطور لا يعرف شيئا عن اي من اهله واصدقائه؟ في الناصرية لي عشيرة كاملة منها سبعة عشر اخا واختا، وفي هذه المدينة وحدها التي قاومت ببسالة (ولكن حتي للمقاومة حدودها امام سلاح الرعب الذي جاء به الامريكان وأتباعهم البريطانيون) فكيف اعرف ما الذي حصل لهم وقد ذكر ان هذه المدينة وحدها قدمت حوالي الخمسة آلاف شهيد وجريح؟
ولا اعرف شيئا عن ولديّ، احدهما طبيب ببغداد، كانت آخر مكالمة لي معه في اليوم السابع من العدوان وبعد ذلك تم ضرب ما تبقي من مركز الاتصالات ومنه عرفت ان اخاه مجند في مدينة العمارة! رغم ان هذا سبق له ان سجن ثلاثة اعوام لهروبه من الجيش، ولو لم يلقوا عليه القبض في فترة عفو لكان مصيره الاعدام. لا رسائل من اهلنا وذوينا لا هواتف غياب تام ولا نري غير الدبابات الغازية تدنس الشوارع التي احببناها والساحات التي تحمل كل منها دلالاتها في تاريخنا، وتوقف العراقيين لتفتشهم وتتأكد من اوراقهم وهم في بلدهم؟ هل هناك اهانة اكبر من هذه؟! وعندما اقرأ واشاهد ما يحصل للامريكان اقول: كل شيء يهون من اجل عزة العراق، حتي الاهل والاولاد رغم انني بدونهم احتضر
.....................................
رسائل العراقيين التي لا تصل لأهلهم وذويهم....
بقلم :عبد الرحمن مجيد الربيعي
بعد نكبة العرب الكبري المتمثلة بالاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين المقدسة، عاش الشعب الفلسطيني محنة التشرد واللجوء خاصة اولئك الذين سلموا من عمليات الذبح التي كانت تقوم بها العصابات الصهيونية في مجازر منظمة ستظل وصمة عار في تاريخ هذا الكيان اللقيط الذي ابتز العالم كله بما تعرض له في سنوات النازية الألمانية. وما زال يفعل ذلك حتي يومنا هذا (سيطرته علي الاموال المودعة من قبل مجهولين في البنوك السويسرية، فما داموا مجهولين اذن هم من اليهود الذين لقوا حتفهم علي يد هتلر. ثم ما يطرح الان بشأن الممتلكات اليهودية في العراق تعود لحوالي مئة وعشرين ألف يهوديا هاجر القسم الاكبر منهم للكيان الجديد. والصحيح انهم هجروا كما سيكتشف لاحقا من خلال المعلومات والوثائق وذلك بالقاء متفجرات علي بيوتهم ومحلاتهم من قبل عملاء الصهاينة انفسهم لغرض تخويفهم حتي يسارعوا في الهجرة. وما دامت اموال العراق اليوم تحت هيمنة امريكا الراعية الاولي للكيان الصهيوني فان عملية الابتزاز ستتم وستذهب مليارات اخري من خيرات الشعب العراقي المحروم الي الصهاينة). لم يعرف الأب الفلسطيني مثلا اين اصبح ابناؤه، ولا الأخ أين اخوته؟ ولا الأم أين زوجها؟ كانوا أناسا تعرضوا للغدر وخيانة ابناء العمومة فلحق بهم التشرد، وفتحت لهم مخيمات اللجوء في سورية ولبنان والاردن والعراق. وهاجر البعض الي الخليج مع بداية ظهور النفط الذي تحول في اغلب الحالات من نعمة الي نقمة فلولاه هل كان ما حصل للعراق سيحصل وبهذا الشكل؟
آنذاك كانت احدي الاذاعات تبث برنامجا يوميا مؤلما وجارحا ما زلت اذكره واذكر عنوانه رسائل اللاجئين الي أهلهم وذويهم ، واسم هذه الاذاعة التي اتخذت من سفينة عائمة في المياه القبرصية مقرا لها ـ كما سمعت وقتها ـ اذاعة الشرق الادني وهي التي ستتحول بعد ذلك الي اذاعة لندن BBC وعندما توقف العمل فيها انتقل معظم العاملين فيها الي اذاعة بغداد وبينهم ام القصة القصيرة العربية الرائدة العظيمة سميرة عزام التي كانت تملك صوتا نادر السحر عندما تقرأ الشعر او نصوصها القصصية (حتي في سنوات اذاعة الشرق الادني)، وهناك تعرفت عليها وانصت اليها عن قرب مرارا (وهذا ما يحسدني عليه صديقي الروائي والمناضل رشاد ابو شاور). برنامج رسائل اللاجئين الي اهلهم وذويهم كان معدوه يدورون علي مخيمات اللجوء ويسجلون رسائل صوتية، أنا فلان الفلاني من قرية كذا أسأل عن اخوتي وأهلي وأود ان اعرف اخبارهم، وأنا موجود في مخيم كذا.. الخ. كان من يستمع الي تلك الرسائل تتقطع نياط قلبه ـ كما يقال ـ فغالبا ما ينفجر المتكلم او تنفجر المتكلمة بالبكاء. ومن يتماسك تغلبه نبرة الشجن المر في صوته التي لا تغيب عن اذني السامع.
بعد نكبة العرب الاولي عام 1948 في فلسطين تأتي نكبتهم الثانية عام 2003 اي بعد 55 سنة عندما يتم تدمير العراق ومن ثم احتلاله كاملا علي يد غزاة قادمين من وراء البحار. ورغم خطابهم الديمقراطي جدا فقد عاثوا بالبلد تخريبا، ولا تلتقط انوفهم الا رائحة واحدة هي رائحة النفط التي جاءت بهم وبأساطيلهم ومئات الألوف من جنودهم (ومن يدري فلعل نهاية هذه الامبراطورية المجنونة ومستنقعها الابدي سيكون في عراق الحضارات والنبل؟!) اكاد اتوقع هذا والادلة امامي.
وبعد 55 سنة يعاد ذلك البرنامج القديم ومن الاذاعة نفسها التي تحول اسمها الي اذاعة لندن او BBC ويضم هذه المرة رسائل من عراقيي الخارج الي عراقيي الداخل (هنا يثير الاستغراب عدم عودتهم الي بلدهم بعد زوال نظام الرئيس صدام وحلول الديمقراطية الامريكية محله! أليس هذا ما كانوا يريدونه، وما عبأوا افذاذ البنتاغون بالدعوة له فكان ان نفذوا مأربهم!).
امهات بسيطات لا يعرفن حتي الكلام. من ذهب بهن للسويد او كندا او استراليا او احدي ولايات امريكا؟ هل ذهبن الي هناك لانهن يعارضن النظام السابق؟! ام انهن زعيمات في احزاب معارضة فلماذا لا يرجعن والخيرات تعم؟ والوعود كثيرة؟ وغيوم الديمقراطية ستتحول الي فيضانات ستشمل حتي دول الجوار كلها.
كما قدمت احدي الفضائيات بعض الوقت برنامجا من بغداد يضم تسجيلات قصيرة لبعض العراقيين المقيمين في بغداد بشكل خاص ( الجزيرة) ثم توقفت عنه.
ان مأساة العراقيين اليوم تتمثل في كونهم لا يعرفون ما الذي جري لاهلهم المقيمين في العراق لا سيما وان السادية الامريكية قد تمادت في اذاها لدرجة انها اعدمت مراكز الاتصال تماما ولم تبق منها ما يمكن تصليحه، ليصبح عراقي الداخل مقطوعا عن عراقي الخارج. ولا يعرف اي منهما اخبار الآخر، من بقي حيا ومن أتي عليه القصف؟
لقد فعلوا هذا عامدين حتي يعطوها لشركات مقاولة امريكية تبدأ ببنائها من الصفر وبالطريقة التي تريدها ولكن متي يتم هذا؟ العلم عند بريمر واتباعه وادلائه ومترجميه ومسوقيه؟
بوجع دام اقول: ان كاتب هذه السطور لا يعرف شيئا عن اي من اهله واصدقائه؟ في الناصرية لي عشيرة كاملة منها سبعة عشر اخا واختا، وفي هذه المدينة وحدها التي قاومت ببسالة (ولكن حتي للمقاومة حدودها امام سلاح الرعب الذي جاء به الامريكان وأتباعهم البريطانيون) فكيف اعرف ما الذي حصل لهم وقد ذكر ان هذه المدينة وحدها قدمت حوالي الخمسة آلاف شهيد وجريح؟
ولا اعرف شيئا عن ولديّ، احدهما طبيب ببغداد، كانت آخر مكالمة لي معه في اليوم السابع من العدوان وبعد ذلك تم ضرب ما تبقي من مركز الاتصالات ومنه عرفت ان اخاه مجند في مدينة العمارة! رغم ان هذا سبق له ان سجن ثلاثة اعوام لهروبه من الجيش، ولو لم يلقوا عليه القبض في فترة عفو لكان مصيره الاعدام. لا رسائل من اهلنا وذوينا لا هواتف غياب تام ولا نري غير الدبابات الغازية تدنس الشوارع التي احببناها والساحات التي تحمل كل منها دلالاتها في تاريخنا، وتوقف العراقيين لتفتشهم وتتأكد من اوراقهم وهم في بلدهم؟ هل هناك اهانة اكبر من هذه؟! وعندما اقرأ واشاهد ما يحصل للامريكان اقول: كل شيء يهون من اجل عزة العراق، حتي الاهل والاولاد رغم انني بدونهم احتضر
.....................................