المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المال ليس طريق السعادة!


ناصر حسن
27-08-2007, 01:41
المال ليس طريق السعادة!

ناصر حسن
عندما خلق الرب «السعادة» جعلها بسيطة ذات وجوه، وطيّعة بيد الجميع، ومتوافرة لمن يريد..
لم تكن السعادة يوماً ملكاً لأحد يستبد بها، ومن المفارقات أن المستبد غير سعيد. إنها حق مشاع.

من يريد أن يجعل ساعة السعادة للآخرين على معصمه فهو من الخاسرين، فلا يسعد الناس أو يتبسموا إلاّ عندما يسعد هو أو يتبسم، وعلى الجميع أن يحتفل بعيد ميلاد مولده وجلوسه وحروبه وأسفاره، تماماً كما يفعل الظالم الرئيس أو البيت. إنه يكون بذلك أشقى الناس، وهو يظن أنه أسعدهم.

أظنكم تتفقون معي أن بعض الناس نذرته الأقدار للسعادة، والآخر للشقاء، لأنه «فمنهم شقي وسعيد» ولكل قابلياته.

بعض الناس يرى السعادة في الملك، وبعضهم يراها في الوظيفة الجيدة، وآخرون يرونها في جمع المال، أو الزواج واللذة، ولكن وحدهم أصحاب السعادة من يرونها في رضوان الله عز وجل. ومن هنا فإن كل تيسير يقنعهم، وكل عسير يقوي من اطمئنانهم برضا الرب عنهم لما صبروا، وإن كل نجاح في الدنيا هو توفيق من الرب لإكمال رصيد السعادة الكبرى لديهم. فلا تعجب أن يرى هؤلاء قمة السعادة في القناعة والرضا، لأن «سعادة المرء القناعة والرضا» كما جاء في الحديث.

وأعظم من ذلك يرون الشهادة في سبيل الله غاية الفوز والسعادة، فهذا أمير المؤمنين علي لدى سقوطه في محرابه صريعاً يقول في هدوء واطمئنان «فزت ورب الكعبة».

قد تذهب نفسك حسرات على جهد لم يثمر فتتهم نفسك بالشقاء، وعدم التوفيق، أو إنك تنوي خيراً فلا يكون فترى أنك غير مؤهل لذاك. لكن الأمر ليس كما ذهبت. غاية ما في الأمر «ما كلّ من نوى شيئاً قدر عليه، ولا كلّ من قدر على شيء وفّق له ولا كلّ من وفّق أصاب له موضعاً فإذا اجتمعت النيّة والقدرة والتّوفيق والإصابة فهنالك تمّت السّعادة». كما ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق .

جمالها في الشراكة

عظيم أن تكون سعيداً في بيتك، وعملك، وعلاقاتك، وأعظم من ذلك كله أن تنفق من هذه السعادة على الشركاء، وأن تجعل للآخرين نصيباً وسهماً في سعادتك. فما أجمل أن تسعد الأسرة كلها بدل أن يستأثر أحد الزوجين بتلك السعادة، فيعيش عالمه الخاص.

إنك ستكون أكثر سعادة فيما لو قررت إسعاد شريك حياتك ولو بإشراكه في سفرة، أو في اللذة الجنسية، أو مشروع، أو حتى في مطعم. إن البحث عن سعادة واحد ضمن شركة تتكون من اثنين لهي أنانية ليس لها مبرر. ولماذا يصر بعض الأزواج على الترويح عن النفس بعيداً عن شريك حياته، فما يفضل من وقت ترفيهه عن نفسه بالسفر والسهر والرحلات مع الأصدقاء ينفقه على شريك حياته والأولاد؟ إنهم ضحايا السعادة الوهمية لشريك الحياة. أليس «خيركم خيركم لأهله» كما يقول النبي ؟.

فمن ذا الذي قال يوماً لأصدقائه وأسفاره وملذاته ورحلاته لدي موعد أو وقت خاص لشريك حياتي؟ ولماذا شريك الحياة في آخر القائمة، إن وجد له مكان؟ ولماذا نحرم شريك حياتنا من سعادته معنا بحجة الانشغالات التي لا تنتهي؟ ألسنا مطالبين بإدخال الفاكهة على الأهل والأولاد لإدخال السعادة عليهم؟ فما بالكم في أكثر الأمور شراكة؟.

إن المشاركة هي أكثر ما يدني الناس بعضهم من بعض سواء كانت مشاركة في كسرة من الخبز، أو في فكرة تدور في الذهن ومشاركة من نحبّهم فيما يمتعهم ويغمرهم بالحبور. إنه سرّ عظيم من أسرار العلاقات الإنسانية. وهو ما يقرّه الخبراء؛ ففي دراسة قام به (ودهاوس) لنحو 250زواج سعيد، اتضح أن الرفقة، أو الصحبة، أو المشاركة هي العامل الأول المسؤول عن سعادة الزواج.

وما هي العناصر الأساسية للرفقة الموفقة؟ أليست المشاركة في الأصدقاء، والمشاركة في الميول، والمشاركة في المثل العليا، هذه هي الأشياء التي تقرب الناس بعضهم من بعض؟.

وكتب (هاري شتاينميتز) في «صحيفة علم النفس العلاجي» يقول: «تضحية الزوجين في سبيل تحقيق تقارب أحدهما من الآخر في الميول، والأذواق، والمشارب أفعل في نجاح الزواج من تشابههما أصلاً في الميول والأذواق والمشارب» .

أما«غلادستون» «رئيس الوزارة البريطانية الأسبق ففي فترة حرجة من تاريخ بلاده، ومن الأقرب إلى المعقول أن تكون مشاغله الكثيرة وشؤون السياسة العويصة أقدر من غيرها على ارهاق الرجل وجعله متبرماً بالناس وبزوجته، لكنه عاش تسعاً وخمسين سنة في بيت زوجي تظلله السعادة ويرف في أرجائه الهناء، لم يكن ينتقد، بل كان يعبث كالصبيان أحياناً ليدخل السرور إلى قلب زوجته كاترين غلادستون، ومن اللطيف أن يتصوره المرء عجوزاً يرقص مع زوجته وينقران بدف يدوران به حول نار الموقد وهما يغنيان:

زوج رث الثياب، وزوجة ثرثارة.. سنخوض دربنا منشدين تارة.. وتارة نشق المسارب الدوارة".

وهناك من الناس من يعتقد بأن يشتري السعادة بالمال ولهذا تراه يلهث وراء المال لجمعه متناسياً من يعيش معه، وفي حقيقة الأمر أن السعادة لا تشترى بالمال ما لم تكون هناك قناعة ورضا، فالغنى لا يصنع السعادة. ما علينا هو أن نشتري سعادة الأهل والأولاد بالمال، ولا نشتري المال بسعادة الأهل والأولاد. ففي مدينة إيلينوس ربح رجل ثلاثة عشر مليون دولار، وبعد ذلك بأسابيع قليلة تسلم من زوجته أوراق الطلاق مطالبة منه بنصف الثروة.

وجاء في دراسة عن الرضا في الحياة نظرت في عشرين عاملاً من الممكن أن يساهم في السعادة، والنتيجة التي خرجت بها الدراسة أن هناك تسعة عشر عاملاً مهمًّا في السعادة، والعامل الوحيد الذي لم يكن مهمًّا كان هو الحالة المالية، فالمال واللهف وراءه لا يصنع السعادة.