المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في الحلول..لا تضع الملح على الجرح


ناصر حسن
16-09-2007, 12:36
في الحلول.. لا تضع الملح على الجرح

ناصر حسن
ليس هنالك فنّ يزعم إتقانه الجميع أكثر من فن حلول المشكلات؛ قليلاً ما تسمع أحدهم يقول: لا يوجد لدي ثمة حل لهذه المشكلة، إلا المتواكلون.
ومن لا يملك فن الحلول، أشد سوء ممن يعمل فيها بالحزورة.

هناك أناس عندما يريدون حلّ مشاكلهم يقومون بأسلوب وضع الملح على الجرح وذلك بإثارة الكراهية والحقد وتبادل الاتهامات واللوم والعتاب، وكل ذلك لا يساعد على حلّ المشكلة وإنما يضخمها ويعقّد حلّها، والسبب في ذلك هو ازدياد حالة الدفاع للذات بدلاً من السعي وراء حلّ ذات المشكلة، فكان من الأفضل والأجدر الجلوس على مائدة الحوار والنقاش بنفسية حلّ وقلع المشكلة والتفاهم عليها؛ فهذا الأسلوب هوالأنجح والأفضل لذلك.
فلكل مشكلة أسلوب وحل ولكن عليك بالبحث عنه والتفكير في تنويع الأساليب.

قد جاء في الأساطير أن كلاً من الشمس والريح اختلفتا فيأيهما الأقوى، فقالت الريح للشمس: "سأبرهن أنني الأقوى ، هل ترين هذا الرجل العجوزالذي يرتدي المعطف؟ أراهن أن باستطاعتي أن أجعله يخلع معطفه أسرع منك".
فوقفت الشمس وراء غيمة، وبدأت الريح تهبّ حتى كادت تكون عاصفة، وكلما اشتدت الريح، ازدادالرجل تمسكاً بمعطفه.
وأخيراً، هدأت الريح واستسلمت، ثم خرجت الشمس من وراءالغيمة وابتسمت برفق للرجل، وبدأت ترش دفئها عليه، وسرعان ما مسح الرجل جبينه وخلع معطفه.
عندئذ قالت الشمس للريح: "إن اللطف والصداقة هما دائماً أقوى من العنفوالقسوة".
ويقول المثل القديم: "إن قطرة من العسل تجذب من الفراشات أكثر من برميل من العلقم".

قال وودرو ويلسون: "إذا جئتني وقبضتك منكمشة، أعدك أنأجعل قبضتي أشد من قبضتك، أما إذا جئتني تقول: دعنا نجلس ونتحادث، وإن اختلفت آراؤنا لنتفهم أسباب الخلاف، عندئذ نكتشف أننا لا نختلف كثيراً، وأن النقاط التي لا نتفق عليها قليلة، بينما النقاط التي نتفق عليها كثيرة، وإن كان لدينا الصبروالأناة، والنيّة على الاتفاق فإننا سوف نتفق".
يقول أمير المؤمنين علي:"الرفق يفلُّ المخالفة".غرر3/211.
ولن يكون الرفق حاضراً في مكان إلا وخرج الخرق منه خائباً.
"ضجت صحف بوسطن في يوم من الأيام بإعلان طبي ملفق –عن متخصصينبالإجهاض- وعن أطباء دجالين ادعوا معالجة أمراض الرجال، لكن في الواقع كانواينقضُّون على فريستهم المؤلفة من الكثير من الضحايا البريئة وإرهابهم بحديث مثل: "فقدان الرجولة" وغيرها من الحالات الخطرة، وكانت طريقتهم تنحصر في إبقاء الضحيةمليئاً بالرعب، وتقديم علاج مزيف له. وقد تسبب المجهضون بالكثير من الوفيات، ولكنالقليل منهم جرت محاكمتهم، إذ أن معظمهم يدفع غرامة بسيطة، أو كانوا يتمتعون بنفوذسياسي.
تأزمت الأمور بشكل خطير حتى أن السكان الصالحين في بوسطن رفعوا سخطهم ونقمتهم، ونادى الواعظون من منابرهم شاجبين تلك الصحف طالبين رحمة الله من أجل توقيف تلك الإعلانات، كما شجبتها الجمعيات المدنية ورجال الأعمال والنوادي النسائية والكنائس وجمعيات الشباب-لكن من دون فائدة. وساد جدال عنيف في مجلس التشريع من أجلجعل ذلك الإعلام الكاذب غير شرعي، لكن ذلك لم يلقَ أية نتيجة بسبب النفوذ السياسي.
في ذلك الحين، كان الدكتور ب. رئيس جمعية المواطنين الصالحة في الاتحاد الأعظم للمسعى المسيحي في بوسطن، وقد حاولت جمعيته شتى الوسائل، لكنها باءت بالفشل، وبداأن محاربة المجرمين المدعين لا أمل منها، وفي ذات ليلة، وبعد منتصف الليل حاول الدكتور ب. شيئاً بدا أن ما من أحد في بوسطن فكّر في محاولته . حاول أن يكون لطيفاً متحسساً للأمور ومتيناً. وأن يجعل رؤساء التحرير يرغبون فعلياً في توقيف تلكالإعلانات. فكتب إلى رئيس تحرير بوسطن هيرالد، يخبره عن إعجابه الشديد بصحيفته. فهويقرأها دائماً، لأن تقسيم الأخبار واضح ولا تحيّز فيها، وأن المحررين ممتازون،وأنها صحيفة عائلية رائعة. كما أعلن الدكتور ب. أنها في رأيه أفضل صحيفة في إنكلتراالجديدة، وأروع صحيفة في أميركا "لكن"، تابع الدكتور ب، مدّعياً أنه لدى أحدأصدقائه فتاة صغيرة أخبره أنها قرأت أحد الإعلانات بصوت مرتفع أمامه ذات ليلة، وهوإعلان عن مجهض متخصص، ثم سألته ماذا تعني الجملة وبصراحة، شعر بالإحراج، ولم يدر مايقول، ثم سألته ماذا تعني الجملة، وبصراحة، شعر بالإحراج، ولم يدر ما يقول، إن صحيفتك تدخل أفضل بيوت بوسطن، وإن حدث ذلك في منزل صديقي، أليس من المحتمل أن يحدث في أي منزل أيضاً؟.
وأضاف: لو كان لديك ابنة صغيرة، هل تريد منها أن تقرأ مثلتلك الإعلانات؟ وإذا قرأتها وسألتك عنها، كيف تشرحها لها؟.
من المؤسف أن يكون لدى صحيفة رائعة مثل صحيفتك-وهي صحيفة متكاملة من كل جانب- هذه الظاهرة التي تجعل الآباء يتجنبون وصفها أمام فتياتهم. أليس من المحتمل أن آلاف القُراء يشعرون بمثلما أشعر به؟".
بعد يومين ، كتب رئيس تحرير"بوسطن هيرالد" رسالة إلى الدكتور ب،جاء فيها : "سيدي العزيز: "أشعر حقاً بالامتنان نحوك بسبب الرسالة التي بعثت بهاإلى رئيس التحرير، حتى أنني قررت أخيراً الإقدام على شيء كنت متردداً بشأنه منذ أن توليت عملي هنا.
"ابتداء من نهار الإثنين، قررت أن تصدر صحيفة "بوسطن " هيرالد خالية تماماً من الإعلانات المشينة، وسأقضي على إعلانات البطاقات الطبية والحقن المهدئة وما يشابهها، أما الإعلانات التي يستحيل إلغاؤها ، فإنها ستنشر بأسلوب لايدعو إلى الاشمئزاز والقرف.
"أشكرك مرة ثانية على رسالتك اللطيفة التي ساعدتني في هذا المضمار، وأرجو أن أبقى صديقك". كيف تتعامل مع الناس، د. ديل كارنيجي، ص145.
يبدو أن لكل داء عدة أدوية، والملح ليس منها، وعلينا أن نبحث عنها بجد، وسنراها أمام أعيننا. أرأيت كيف أن أحدهم يبحث عن نظارته وهي على عينه؟